قبل عقد من الزمن، قرّرْتُ أن أنشر مقاطع من سيرتي الذاتية في حلقات على صفحتي بالفيسبوك، تحت عنوان: « ضوء ودخان ». كنت معجبًا بكتب السيرة الذاتية وبالمحاورات الأدبية التي كان تُجرى مع الأدباء على شاشة التلفزيون، كما ساعدني اقترابي من فنّ السيرة على مستوى النظرية والخطاب الأدبي، أن أنظر إلى هذا الفنّ بتهيُّبٍ كبير، لأن السيرة ليست تخييلاً كما يتيحه الشعر والرواية نفسها، ولكنها نصٌّ مرجعيٌّ، هدفها يتعدى « أثر الواقعي » إلى كشف « الحقيقة ». تردّدتُ في بادئ الأمر، لأن ما سأنشره شخصي وحميم واعترافي على نحو ما، وأنا بطبعي شخص كتومٌ. ثُمّ ما حاجة الأصدقاء إلى هذه الشذرات؟ هل فيها ما ينفع الناس ويحقق بعض المُتع عندهم؟ ومن أكون حتى أتوهّم دافعًا أقوى لنشرها والرغبة في إذاعتها؟

  لكن قرّرتُ النشر. فضول المغامرة قادني إلى حسم الأمر، وشيء من نرجسيّتي الدفينة كذلك. أقول: المغامرة، لأني قد أعود إلى إتلاف التدوينات إذا أخفقت في « صِدْقي » وفي التواصل بسلاسة مع ذاكرتي، ثُمّ بدت لي ضربًا من السخف. وحتى القراء المفترض أن تصل إليهم، وهم في الغالب أصدقاء معروفون من الوسط الأدبي والثقافي، وبعضهم طلبة باحثون وآخرون تدفعهم رغبة الفضول، قد يشكّلون محكًّا حقيقيًّا لاختبار صدق هذه المغامرة، مع أنهم لم يطلبوا منّي أن أقسم لهم بأغلظ الأيمان بأني لن أقول إلا الحقيقة. التصدير الذي استهللتُ به نشر شذراتي السيرذاتية، كان نوعًا من ميثاق الشرف أو التعاقد الأخلاقي الذي يعقد النية مع هؤلاء القراء، على قول الصدق والتزام أمانة الأحداث المسرودة كلما استطاعت الذاكرة إلى ذلك سبيلًا. فلم يكن ثمة في الظاهر، ما يتعارض مع رغبتي في أنّ ما سأحكيه عن ذاتي ينبغي أن يكون حقيقيًّا، وأن يكون صادقًا، أو أنّ ما تحكيه ذكرياتي هو ما عِشْتُه بالفعل. هذا التشبّث بـ »الشخص الحقيقي » الذي أصدر عنه، وأتحمل باسمه العلَمي ضريبة الصدق، هو ما يجب أن يميّز تلك الشذرات لأنها تنتمي إلى نوع السيرة الذاتية كنصّ مرجعي، لكن الذاكرة قد تنسى في بعض أطوارها حقيقة ما مضى من ذكريات الطفل الذي كانه؛ وهذا ليس مشكلة في عرف الكتابة الأدبية، بل ذريعة سانحة تسمح للتخييل بأن يدخل على الخطّ دون نية « تجريف » آثار الحقيقة، وإنما هو يعمل على وصفها بطريقة رومانسيّة حالمة، ورمزية خاصة، كأنه يعيد اكتشاف الذات وهويتها من جديد، ويمنح لعناصر مبعثرة من شذرات السيرة التي لم تكتمل بعد، معنىً وانسجامًا خاصّيْن. تعلّمتُ من قراءاتي أنه لا يمكن لي أن آخذ في الاعتبار حياتي كما جرت. هذا أمر مستحيل. لكن عليّ أصنع من حياتي الماضية حَكْيًا، وأعمل على تكييف متوالياتها المستذكرة مع الإكراهات المرتبطة بالشكل المسرود رقميًّا.
عندما شرعت في نشر الشذرات، التي لم تكن متاحةً ورقيًّا من قبلُ، على صفحتي الفايسبوكية، وبات الأصدقاء يتفاعلون معها من زوايا ومشارب مختلفة، نفسية واجتماعية وجمالية، بدا لي أنّ ثمة ثقة بيني وبين هؤلاء المتلقّين أخذت تنشأ، وأن الميثاق نفسه آخِذٌ في السريان، وهذا أمرٌ مُهمّ بالنسبة إليّ، إذ شجعني على المضيِّ في نشرها وإتمامها، بديلًا عن أيّ إحباط أو مسعى مغرض من أحدهم يتربص بالمشهد. سأكتشف مع الوقت أن هذه السيرة لم تعد تعنيني وحدي، بل ذواتٍ أخرى تتدخل في أحداثها بتعليق أو رأي جمالي، وتتماهى عاطفيًّا مع ما يَرِد فيها من وقائع وسياقات وشخصيات عائلية ومرجعية، وقد تسقط تجاربها عليها، وتحاول أن تجد فيه جوابًا لما تبحث عنه، وتوقظ فيها ذكرى عابرة، أو موقف نادر، أو صورة نوسطالجية أجراسَ الجذور من رقادها.
لقد كانت التفاعلات المتنوعة، المسموعة والهامسة، تساهم في إثراء السيرة، وفي صياغة الذات باستمرار وتحويل هُويّتها إلى مشروع لانهائي من البحث والاجتراح: أعيد الكتابة، أصوّب معلومة في التاريخ، أتراجع عن سهو، أفسح الضوء لممرّ معتم، أشذب زهورًا برّية، إلخ. مثل هذا التنقيح لا يُفقد السيرة « صدقها »، بل يحقق في صميم نسيجها درجة الوعي بما تكشفه وكيف ترويه، على نحوٍ يمنحها صدق التجربة في كٌلّيتها وبعدها الإنساني، ويعيد تحبيك عناصرها المتشذرة بما يهبها معنىً في الوجود وانسجامًا خاصًّا. كنت أشعر بأنّ ذاكرتي تنشط من عقالها وهي تكتظّ بأصواتهم وهمهماتهم وأجراس حنينهم، وتسبقني إلى الصفحة الظلالُ والإيحاءاتُ والفسيفساءاتُ لأشخاص أحياء من جيلي وأفراد قريتي وأتراب طفولتي وزملائي في الدراسة، أو لأطياف ضاعوا في الطريق من مئات السنين؛ وأيّ شعور هذا وأنت تواجه الصفحة وقد تحوّلتْ إلى حلبة صفْحٍ وتصحيفٍ ومصافحةٍ من يدٍ ليد، بل من روحٍ إلى روح.
ذلك الطّفْل الذي نزح من القرية ذات صيف وحُرِم منظرَ غروب الشّمْس ورائحة الخبز في الفجر، ثُمّ وجد نفسه على حين غرّةٍ يقتعد مصطبةً في حديقة عمومية، وهو يسمع حفيف الأكاليبتوس ويتأمّل أطياف السابلة تحت وطأة الزمن المديني. لم يكن يعرف أنّ سيرته – أو هكذا أتخيّل- تُعبّر عن لاشعورٍ سياسي جريح لجيلٍ بأكمله، حين جعل من كتابة الشعر تعبيرًا عن عزاء ما، ومن الصفحة مُعادلًا لمحبرة العطش الذي يلتمع مثل شأفة في نهر الحياة السائلة.
صدّقْني إذا قلتُ: إنّ شيئًا من الأمان ومن الاستشفاء قد أوجدته لنفسي، وأنا أًقطّر هذه الشذرات؛ هذه الجرعات.
بمناسبة الطبعة الثانية (عالم الكتب الحديث، الأردن)، بعد الأولى قبل نحو عَقْد، زِدْتُ في هذه السيرة بعض الشذرات ذات السمت الاعترافي، ليس لأنّي أهملتُها أو تحرّجْتُ من ذكرها، بل لأنّ الذاكرة أسعفتني على تخييلها وإعادة تأويلها كما لو عاشها كغيري في مكانٍ قصيٍّ!

عبد اللطيف الوراري

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *