عبر تاريخ الشعر العربي الحديث تتراصُّ الأمكنة، والاستراتيجيّات، والبرامج في النظر والممارسة، وتتنابذُ المشاريع والرؤى، وتشتبك في الطريق الأيدي والألسنة. ولهذا يحفل هذا التاريخ الجريح بالأشباه والنظائر من جهة، وبالأضداد والبدائل من جهة ثانية، غير أن الكتابات التي قرأته، بهذا الوعي أو ذاك، جعلته مليئًا بالشقوق والفخاخ، لنقصانها أو جهلها أو انحيازها أو تشيُّعها لهذا أو ذاك في الموقف الذي يقفه الشعراء مُخلصين أو متبرِّجين، مما خلَّف معه سلطة القراءة المُغْرضة، فما أكثر الشعراء الذين ظلمهم منجز النقد الشعري بغير وجه حقّ، وقد يكون الإشعاع الذي ضرب حول روّاد الحداثة في المشرق، قد ألقى بظلاله في الموضوع، ووَجّه نظر الدارسين، صادقين ومتهافتين، لتكريس ما هو مُكرَّس.
حسين مردان (1927- 1972)، ضمن آخرين من المشرق والمغرب على السواء، من أبرز الأصوات التي تكون قد ظُلمتْ في ثقافتنا العربية الحديثة، بالنظر إلى خصوصية منجزه الشعري وما فيه من مغايرة واختلاف بائنين. كان شاعرًا في الأساس، وصاحب مقالة ورأي في الشعر والحياة، بل إنّ شخصيته الشعرية هي جزء من الصورة « الثقافية » التي ضُربتْ حوله. ومن المهمّ، هنا، ألا تجري قراءة دواوين الشاعر بمعزلٍ عن آرائه وسيرته، وإلّا سيبدو مشروعه غير ذي قيمة. فالأجدى، والحال، هو البحث عن شعريّة مردان في مجموع كتاباته، لا عن صورة شاعر « بوهيمي » وحسب.
شاعر حساسية راعفة
يمكن القول ابتداءً إنّ تجربة حسين مردان الشعرية لم تُهْمَل تمامًا، لكنها عانَتْ من سوء استقبال نقدي واختزال شديد، وقد يكون تزامنها مع حركة الشعر الحر التي انطلقت إبّان صعود نجمه؛ أي أواسط القرن العشرين، سببًا معقولًا في حجبها أو، بالأحرى، في مواكبتها أُسْوةً بنظائرها من تجارب الشعر الحديث، رغم موقعها المُبكّر في تحديث الشعر العراقي؟
صحيحٌ أنّ الشاعر عُرِف في بلده العراق أكثر من غيره، ولهذا – رُبّما- وصلتْ صورتُه إلينا كما وصلت. ففي العراق، أو في بغداد التي انتقل إليها وهو في العشرين من عمره وتَشبّع فيها بروح الرفض والتمرد وبفكرة الوجودية الناشئة وقتذاك. وحين نشر «قصائد عارية» (1949) التي أهداها لنفسها، وكانت ذات نفَسٍ إباحيٍّ مكشوف تحت تأثير قراءته لـ »أزهار الشر » للفرنسي شارل بودلير، أثار ضجّةً في الوسط الثقافي وحُوكِم بسببها ودخل السجن. وبدلًا من أن تُلفت الواقعة عنايةَ النقّاد بالنص ومغامرته في الخروج عن السائد والمألوف، أثارت فضولهم نحو الشخص المتمرّد والصعلوك، الذي يحاول أن يخرج في سلوكه وصورته العامة على الأعراف؛ وهو ما جعل المؤسسة النقدية تتعامل معه أخلاقيًا أكثر مما تعاملت معه شعريًا، فلم تفصل بين النص وصورة الشاعر في المخيال النقدي. ولذلك أمست سيرته وشخصيته مادّةً دسمةً في حديث الصحف والمجلّات أكثر إثارةً من نصوص التجربة نفسها وما أضافته إلى سيرورة تحديث القصيدة العربية، سواء تعلق الأمر بوظيفية اللغة الشعرية وعلاقتها بالنثر، أو باقترابها من قصيدة اليومي وكتابة الجسد، أو عبر سعيها إلى تدشين إيقاع أخذ يشتغل خارج النموذج الخليلي، رغم أنها في هذه المرحلة ما تزال متمسكة بالشكل التقليدي في جانبه الإيقاعي.
فالسؤال الشعري كان يُخْلي مكانه لما هو أخلاقي وأيديولوجي، وحتى «قصائد عارية» باتت تطارده مثل لعنة، وأسرت تجربته كُلّها عوض أن تحفزها على استئناف حداثتها الناشئة باستمرار، وتنتمي باختلافيّتها ومغايرتها إلى «السردية الكبرى» للحداثة الشعرية العراقية نفسها، التي ظهر أنها أعطت الأولوية للتحويل الشكلي فاستقرت على الأسماء الكبرى المعروفة؛ مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري بدرجة أقلّ. فهو على الأقل لم يكن يقدم نفسه كنموذج لما يجب أن تكون عليه قصيدة التفعيلة بالمعنى الذي استقرّتْ عليه هذه السردية، وطرحته نازك الملائكة في « دفوعاتها » النقدية، أكثر من كونه اجترح شكلًا مختلفًا وفق ترتيبات خاصة ضمن الشعر المنثور أو « النثر المركز » بحسب اصطلاحه الأثير، والذي ادّعى أنه « خلقه خَلْقًا »، لا سيّما في دواوينه التالية: «صور مرعبة» (1951)، و«عزيزتي فلانة» (1952)، و«الربيع والجوع» (1953)، ثم «هلاهل نحو الشمس» (1959)، والتي لم تكن تخفي مجهودها الإبداعي لتدشين وعي كتابي جديد تأسّستْ عليه النصوص الأولى لقصيدة النثر العربية، حتى قبل انطلاق مشروع مجلة « شعر » اللبنانية، وقبل أن تصبح قصيدة النثر نفسها مشروعًا معلنًا ومُـؤسَّسيًا في الستينيات، بما في ذلك جماعة كركوك الطليعية التي تأثّرتْ بحساسيّته، بل كان للشاعر تأثير في تجارب فاضل العزاوي وسركون بولص وصلاح فائق على نحو ما.
إذا عدنا اليوم إلى نصوص «النثر المُركَّز» الذي عُرف به، فلا يبدو التخلّي عن الوزن والانتظام الوزني قيمةً في حدّ ذاته، ولكن في ما أشاعه ذلك في مجموع دوالّ النص وعناصره البانية من آثار نوعية مسّت جملته الشعرية القصيرة بما تنطوي عليه من اقتصاد لغوي وتكثيف وتوتّر، ومن مفارقة في تشكيل الصورة، ومن سريان إيقاع داخلي كان يغنم من تبديد الحدود بين ما هو شعري ونثري. وهذا يجعل مردان مهمًا ليس فقط لأنه كتب بلا وزن، بل لأنه كان يبحث عن بديلٍ آخر للإيقاع الخليلي داخل ممارسته الشعرية في ضوء تفكيك العلاقة بين الوزن والتركيب، وتكثيف البناء النصي وإطلاق مسار إنتاج الدلالة في وجوه أخرى. أو قُلْ كان يبحث عن مفهوم جديد للشعريّة قبل أن تستقر تسمية «قصيدة النثر» نفسها.
في ضوء ما سبق، يمكن صياغة فرضية أكثر دقّةً: ألم يكن حسين مردان يتحرك خارج الحداثة المترسمة، أي خارج التصنيف المدرسي المتاح الذي رُسم للحداثة نقديّاً؟
فالنقد في معظمه كان يقرأ «الحداثة» من خلال الشكل أكثر مما قرأها من خلال الحساسية بوصفها تحوّلًا في علاقة الشاعر باللغة والذات واليومي والمحظور الاجتماعي، وبالجسد بما هو كناية عن التمرد الاجتماعي ورفض السلطة الأخلاقية والاحتجاج على الطبقة الاجتماعية، وعن القلق الوجودي وتحرير اللغة من الرقابة واستعادة الفرد لحقه في الرغبة. كان « ضدّ » الجميع.
بهذا المعنى، كان الشاعر حسين مردان حداثيًا في الحساسية أكثر مما كان حداثيًا في الشكل، أي حداثة الحساسية لا حداثة الوزن فقط. وهذا النوع من الحداثة لم يحظَ بالقدر نفسه من العناية النقدية.
« هامشيّ » المركز
نعود مرة أخرى إلى المركز والأطراف. بغداد في زمن الشاعر كانت مركزًا بالنظر إلى الزخم النقدي الذي أطلقته حركة الشعر الحر التي خرجت من بلاده في أواسط القرن العشرين، وكان من المفروض أن يستفيد الشاعر حسين مردان من ذلك؛ أي من سنوات إقامته في بغداد باعتبارها أبرز مختبرات التجديد الشعري العربي، غير أن الاهتمام بالشاعر بقي محصورًا داخل العراق ولم يتجاوزه إلى غيره من البلاد العربية، لا سيما ذات المراكز الشعرية (القاهرة، بيروت..) التي كانت تتحكم بدرجة أكبر في تشكيل الذائقة الشعرية العربية على فترات لاحقة متتالية، وكانت لها الجغرافيا الثقافية لصناعة القيمة والريادة في الشعر العربي الحديث، ولها اليد الطولى في تحقيق التداول والانتشار، ثم لإضفاء الشرعية.
ففي الوقت الذي كانت فيه شعراء من أمثال السياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف وغيرهم، تتحرك في فضاء ثقافي شديد الحيوية، قبل أن تنفتح على مراكز الجوار الشعري وتغنم من الزخم أو السجال النقدي الذي خلقه داخل الوسطين الثقافي والإعلامي (الآداب، شعر، الثقافة المصرية..) ومن علاقات الهيمنة نفسها، كان حسين مردان يصنع لنفسه « طرازًا خاصًا » لم يكن في وسعه أن يخترق « شبكات » الحداثة.
قد تكون اليوم عودة لاكتشاف « حساسية » حسين مردان، من خلال بعض الدراسات النقدية التي اهتمّتْ بشعره أو حاولت أن تعيد النظر في صورته، لكن من الصعب أن تردم المسافة بين حقبتين، بين مبادرة التجريب المبكر والريادة التاريخية وسؤال القيمة الجمالية والتراكم النصّي، أو هي قد تستعيد ما كان الصراع الأدبي يحجبه ويُسْقطه من حساب التاريخ أو من شجرة النسب لصالح أسلاف آخرين. وعلى حدّ تعبير جوناثان كالر: « .. وبعض النصوص أكثر « يُتْماً » من غيرها، لأنّ أعراف القراءة ليست راسخة بما يكفي لتوفر لها أباً بديلا ». قصيدة حسين مردان الذي لم ينحز لجماعة أو سلطة، قد تكون عنواناً لمشروع معزول لم يكتمل، لكن صوته الفردي لم ينطفئ وظلّتْ بروقه تتراءى قي نصوص أجيال لاحقة، وهنا تكمن قيمة هذا الشاعر ومن في سلالته: إنه يربك التاريخ الخطّي والمستقيم للحداثة.
عبد اللطيف الوراري


لا تعليق