صدر للكاتب المغربي عبد اللطيف الوراري، عن منشورات عالم الكتب الحديث (الأردن- إربد 2026)، كتاب نقدي- حواري تحت عنوان: « استدامة الأثر: ما يقوله الأدب ويُفاوضنا عليه ». وفي هذا الكتاب بأجزائه الخمسة المتركبة والمتدافعة التي يُفْضي بعضها إلى بعض، جعل المؤلف مدار حديثه في الأدب وقضاياه وإشكالاته وخصائصه، منظورًا إليها من زوايا ومنظورات متعددة، لكنّها تغتني بالحواريّة التي تنتسجها في الذهاب- الإياب بين النظرية الممارسة، بين السجال والتأويل.
وهذه الأجزاء الخمسة، هي:
الجزء الأول: نُزْهاتٌ في فجاج المُخيِّلة (مقاربات وتأملات نصّية)،
الجزء الثاني: في نظرية الأدب وتجريب الأشكال (قراءات ومطالعات)؛
الجزء الثالث: ذهبوا أدراج التأويل (قول على قول)؛
الجزء الرابع: أسئلة الأدب.. أسئلة الثقافة (حوارات)؛
الجزء الخامس: كلماتهم التي تُزْهر مثل نَدْباتٍ على جسد العالم (بورتريهات وشهادات).وقد صدّر الكتاب بمقدمة مستفيضة بسط فيها علاقته بالأدب وتصوره له ولما يعنيه بـ »استدامة الأثر » الذي يتركه في قرّائه وفي عصور تلقّيه، وما يُفاوض عليه بطريقته الخاصة والنوعيّة في سيرورة القراءة والتأويل.
نقتطف من المقدمة: « لقد قرّ في نفسي أنّ الأدب ليس مُجرّد نص يُقرأ ثم يُنْسى، بل يتحول مع الوقت إلى أثر حقيقي، نفسي ومعرفي وقيمي وأخلاقي وجمالي؛ وهذا الأثر ينمو معنا، وذلك حين يُغيّر طريقة شعورنا وتفكيرنا، أو رؤيتنا لذواتنا وللأشياء والعالم، ويُدرّب ذائقتنا في عناق دائم بين الذاكرة والخيال. مثلما يوقظ فينا الشعور وحسّ التعاطف، ويجعلنا نرى الآخر بشكل أكثر إنسانية، بقدر ما نحن نتخفّف من نرجسيّتنا وغرورنا. فمثل هذا الأدب يمنح معرفة من نوع خاص لا تجدها إلّا فيه؛ أي لا يقدم معلومات مباشرة، بل هو يُجسّد فهمًا مختلفًا للحياة، وتأويلًا مُغايرًا للتجربة الإنسانية على نحو ما يفتح أمام الإنسان قارئ الأدب أفقًا جديدًا مُتجدّدًا، فيما هو يطرح عليه في كلّ مرةٍ أسئلة جديدة تقطع مع العادة والسائد. بل وجدنا بعض الأعمال والنصوص الأدبية تتجاوز الفرد لتؤثر في المجتمع وفي حركته داخل التاريخ ضمن تحوّلاته الفكرية، بعد أن تكون قد ساهمت بدورها في نقاش ما داخل الفضاء العام، وغيّرتْ على نحو ما وعيَ النّاس من هذه القضية أو تلك.
لهذا، فإنّ استدامة هذا الأثر لا تتمُّ بشكل تلقائي، بل تحتاج إلى شروط خاصة تلازم أدبيّة العمل وفرادته وحساسيّته الجمالية وإصغاءه للجمعيّ، ومن أبرزها: عمق النص وانفتاحه على قراءات متعددة، وقابليّته لإعادة التأويل مع تغيّر ذائقة القارئ وزمنه، وارتباطه بالتجربة الكيانية للإنسان إذ كلما اقترب الأدب من أسئلة الإنسان الكبرى (الحب، الموت، الهوية، المعنى، المنفى…) كان أكثر قابلية للبقاء وللقراءة الدائمة. هكذا يتحول إلى أثر ممتدّ في الزمن، وفي البناء الثقافي حين يُدرَّس، ويُناقش، ويُقتبس، ويُعاد إنتاجه بصيغ وتجارب فنية متعدد (سينما، مسرح، تشكيل…).
بهذا الاعتبار وذاك، يُفاوضنا الأدب على ما يقوله، ونتفاوض معه بحسب قدرتنا وتجربتنا في القراءة والتأويل. لنضرب مثالًا في الأمر من رواية « موسم الهجرة إلى الشمال » للطيب صالح. في هذه الرواية، لا نملك “حقيقة” واحدة عن مصطفى سعيد قياسًا إلى ما يرويه عن نفسه أو يُروى عنه ويُعاد بناؤه. يبدأ التفاوض: هل نصدّق مصطفى سعيد؟ أم نشك فيه؟ أم نعتبره “صانع أسطورة عن نفسه”، أم « ضحية استعمار »، داخل ثنائية شرق/ غرب وما تستتبعه من صراع هوياتي وقيمي ولغوي؟ ونحن بوصفنا قُرّاءً: هل نتعاطف معه أم ندين ما يقوم به؟ فإذن، قراءة النص هي في الصميم تجربة تُبنى وتتشكل من تلقاء نفسها حتّى في لحظات الصمت والفراغ، وليست أدوات يقينية متصلبة ومسبقة. ومن خلالها، يكون مثل هذا التفاوض في مستويات وأبعاد متعددة يتداخل فيها الموضوعي بالذاتي والشخصي، والأخلاقي بالجمالي.
لكن يبقى السؤال هو: ماذا يُعلّمنا الأدب ويُلهمنا إياه؟ فالأدب لا « يقول » شيئًا واحدًا، بل يفاوضنا على ما يقوله بطريقته الخاصة، وهو ما يعني أن نخوض في شبكة من الاحتمالات، فيجعل القارئ مِنّا شريكًا في إنتاج المعنى ضمن سيرورة تلقّيه. بصيغة أخرى أدقّ: الأدب لا يفاوضنا فقط، بل يضعنا داخل التفاوض نفسه.


لا تعليق