الكتاب يقدم مفاهيم جديدة لقراءة السيرذاتي في الشعر العربي وذلك بعد نقده وإعادة بنائه من منظور مختلف
جريدة (العرب) الدولية،
الاثنين 2026/01/05

 عمان– إلى أيِّ مدى أمكن للشاعر العربي المعاصر في توظيفه للمُكوِّن السيرذاتي، أن يُقيم ميثاقًا جديدًا هو نتاج تفاعل البنية الشعرية مع موضوعها، وأن يُوطِّن في سيرته الشعرية صورةَ الذات المستعادة وحضورها في العالم بكيفيّةٍ أقرب إلى التخييلي منه إلى المرجعي؟ كيف تتأثر دوالّ الكتابة الشعرية، إيقاعًا وتصويرًا ورُؤْيةً، بالفضاء السيرذاتي على نحو يجسد حداثتها ومغامرتها في البحث والتجريب؟ ثُمّ هل صار بوسع الشاعر العربي الحديث في توظيفه السيرذاتي وشَعْرَنته له، أن يُبلور «خطابًا تخييليًّا جديدًا» داخل النص الشعري من حيز القصيدة إلى فضاء الكتاب؟
هذه جُمْلةٌ من الأسئلة تثير قضايا معرفية ومنهجية مُركّبة ضمن البحث في السيرذاتي وعلاقته المُتوتِّرة بالشعر، ومنها ينطلق الشاعر والناقد المغربي عبداللطيف الوراري في كتابه النقديّ الجديد الذي جاء تحت عنوان « الأنا وظلاله: السيرذاتي وآليّات اشتغاله في الشعر العربي ».
وقد تعامل الباحث مع متن الخطاب الذي كُتِب بشكل متزامن، أو في فتراتٍ دالّةٍ من تاريخنا الثقافي والشعري المعاصر، بحيث تتقاطع في نسيج نصوصه سماتٌ خطابيّةٌ مختلفة ومتعارضة قياسًا إلى تباين مرجعيّاته وهُويّاتها النصية واختياراتها الجمالية والكتابية، على نحو يتيح الكشف عن تطوُّر مُنْحنى الوعي السيرذاتي في الكتابة الشعرية وعبرها، من خلال تعيين آليات اشتغاله الداخلية وفق استراتيجية إجرائية تُعيد تجنيس النصوص فيما هي تبحث في الخطاب الـمُتعيّن بين ما هو مَرْجعيٌّ وتخييليٌّ.
يتوزع الكتاب، الصادر عن منشورات عالم الكتب الحديث بالأردن، إلى لحظتين أساسيّتين: في اللحظة الأولى يتعامل الباحث مع مقاطع نصية وشذرات دالّة من السير الشعرية والثقافية، تتجاوب عبرها مع بيانات ومُقدِّمات وحدوسات تنظيرية وكشوفات حوارية، لشعراء كثيرين من المشرق والمغرب على السواء (نازك الملائكة، نزار قباني، فدوى طوقان، محمد عفيفي مطر، فاضل العزاوي، علي جعفر العلاق، محمد بنيس، قاسم حداد، محمد السرغيني، صلاح فائق، سركون بولص، رشيد المومني، منصف الوهايبي، صلاح بوسريف، إلخ).
ويهدف الوراري من خلال تشريخ تلك النصوص إلى إبراز « هُويّات » الأنا الشعري المحدث ورؤاه ومواقفه من الطريقة الجديدة التي أخذ يختطّها البرنامج التحديثي، وما يتخلله من عناصر وإشارات وإفادات سيرذاتية تخصّ سيرة أنا الشاعر وسيرة قصيدته وتجربته الشعرية في آن.
وفي اللحظة الثانية يستقصي تجلّيات المشروع السيرذاتي في الأعمال الشعرية لشعراء أساسيّين (بدر شاكر السياب، عبدالوهاب البياتي، صلاح عبدالصبور، سعدي يوسف، محمود درويش، أدونيس، محمد بنطلحة، وديع سعادة، آدم فتحي، غسان زقطان..)، ويبرز من خلالها تَبَلْوُر هذا المشروع، تبعًا لطبيعة الخطاب الشعري وخواصّ بنيته الكتابية من هذا العمل إلى ذاك ضمن تجربة الشاعر ككلّ في سيرورة تطوُّرها، ومن ثمّة كيف كان ينزاح من شرط المرجع إلى فضاء التخييل.
تتألف بنية الكتاب من بابين كبيرين: الباب الأول عبارة عن مداخل نظرية تناقش من جهة أولى حداثة القصيدة العربية وتحويلها الجمالي ونزوعها الكتابي الذي ساعد على الحوار بين الأنواع والفنون داخلها، ومن جهة ثانية تحلل العلاقة الإشكالية بين السيرة الذاتية والشعر، ويقترح هذا الباب مفاهيم جديدة لقراءة السيرذاتي في الشعر من خلال إعادة بناء الموضوع.
ويعمل الباب الثاني، تبعًا لطبيعة الإشكالية ومقتضياتها المنهجية والإجرائية، على تحليل إحدى آليات اشتغال الخطاب السيرذاتي في الشعر العربي، قياسًا إلى المتن التطبيقي الذي حصره الناقد في الخطاب الموازي (حوارات، بيانات، مقدمات، رسائل، سير شعرية ثقافية..) والخطاب الميتا شعري، والعمل الشعري نفسه.
وجاء على ظهر الغلاف: « يدرس الكتاب موضوعَ السيرذاتيِّ في الشعر العربي الحديث والمعاصر، وذلك بعد نقده وإعادة بنائه، من مكانٍ مَنْهجيٍّ ينظر إلى السيرذاتي ليس بصفته خطابًا مرجعيًّا بانيًا فحسب، بل كذلك طريقةً نوعيّةً لتخييل سيرة الأنا من خلال ما تستوجبه البنية الشعرية من إمكانات تلفُّظية وتصويرية خاصة، من القصيدة إلى الكتاب.
عبر ضمائره الشخصية، يتمرأى الأنا السيرذاتي ويظلُّ مشدودًا عبر رهان الغيرية إلى آخره، الذي يعمل على ابتكار هُويّته بقدر تخييل ذاته. فالبناء السيرذاتي للهوية له بُعْدٌ تخييليٌّ كذلك؛ فلا يُعنى بما تمّ عيشه ومعاناته فحسب، وإنما ما تبقّى -وما أكثره- ضمن المنسيّ والمكبوت والمحلوم به الذي لم يتحقق لعوامل مفترضة، فيلجأ الشاعر إلى توطينه نصيًّا، بما ينغلق عليه من تهويمات وإسقاطات وأحلام وهواجس هي من صميم بشريّته وطبوع هشاشته الصارخة؛ وهو ما يصحُّ أن ننعته بـ »الأنا وظلاله ».
من هنا، يجري البحث في السيرذاتي داخل الخطاب الشعري وفق اعتبارين رئيسين: أوَّلهما يخصُّ إنجاز تلفُّظه الخاص، وكتابته الخاصة، ومشروع أناه الخاص. وثانيهما يتوجه إلى فعل كتابة الذات غير القابل للفصل عن تمثُّلات هذه الذات لنفسها وللآخر، وعن تخييل صور كينونتها وهُويّتها المتحولة في الكتابة وعبرها ».
وتجدر الإشارة إلى أنّ الناقد المغربي عبداللطيف الوراري؛ أستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية- تطوان، له مساهمات أخرى قيّمة في نقد الشعر العربي، مثل: « تحوُّلات المعنى في الشعر العربي (2009)، « راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية » (2014)، « الشرفة والرماد: دراسات في الشعر العربي وقضاياه » (2022)، « شعر اللحظة الراهنة: أسئلة ورهانات » (2025).

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *