عبد اللطيف الوراري
تمارس الوسائط الرقمية (فيسبوك، إنستغرام، منصة x، يوتيوب، بودكاست، إلخ) تأثيرها القويّ على الأدب من منظورات عدة، على نحو حاسم مسّ مفهومه وأدواته ووظائفه وأنواعه، مثلما مسّ – بالنتيجة- آليّات الكتابة والتلقي والإنتاج الأدبي في آن. فالنص الأدبي الرقمي لم يعد ثابتًا أو منغلقًا، بل مفتوحًا وديناميًا يتجاوز حدود الفضاء المكتوب، وقابلاً للتعديل في كل لحظة؛ وذلك بالنظر إلى طبيعة هذه الوسائط ذات الخواص المتشعبة وحواملها التفاعلية (صوت، موسيقى ومؤثرات، صورة، فيديو، رسوم متحركة، رموز..)، كما دخل الذكاء الاصطناعي بأدواته البرمجية في تغيير عملية الكتابة الأدبية وجمالياتها وقواعد تحريرها تنظيمًا واختصارًا وابتكارا.
انشطار هوياتي
في سياق هذا التحول الذي يطبع أدبنا المعاصر ويعيد تشكيل جمالياته، أخذت تُبنى « هوية رقمية » متعددة للكاتب، هي امتداد لانشغاله الجمالي وحضوره اليومي في العالم الافتراضي، وشكل علاقاته المباشرة مع القراء بوصفهم مشاركين، بغضّ النظر عن قيمة هذا العمل من عدمها، وعن معايير الجودة التي يصدر عنها هؤلاء القراء أنفسهم. مثلما أخذت تظهر إلى العلن أنواع أدبية جديدة، أو بالأحرى يُعاد تشكيلها وفق « خوارزمية » خالصة. بل إنّ بعض هذه الأنواع بسبب طبيعة موضوعاتها وسياقها المرجعي، أو بسبب « الطابوهات » التي تُضرب حول جانبها الشخصي الاعترافي، غنمت هذا الفضاء الرقمي لتظهر أقوى وأكثر تأثّرًا وجاذبية كأنها تثأر من العهد الورقي، وفي طليعتها الكتابات الذاتية.
ينبغي الإقرار بأن الكتابات الذاتية في الفضاء الرقمي هي مجموع أشكال التعبير الذاتي، التي ينتجها المرء عبر الوسائط الرقمية، ضمن نصوص قصيرة ومكثفة أو متسلسلة في حلقات: تدوين شخصي، عرض ذاتي، سيلفي، سيرة ذاتية رقمية يشارك الجمهور في صياغتها (هذا الأمر حصل معي حين كنت أنشر شذراتي الذاتية « ضوء ودخان » على صفحتي بالفايسبوك، دون أن يمسّ إطارها المرجعي)، اعترافات، مذكرات ويوميات يمكن أن تتحول مع الوقت إلى أرشيف تاريخ أو حميمي رقمي للهوية، تخييل ذاتي بصري، ألبوم عائلي متحرك بإيعاز من « خوارزمية » الذكاء الاصطناعي الذي صار جهازاً لتخييل الذات، إلخ. وحتى الشعر بطبيعته المفهومية المتأصلة يصير تمثيلًا للذات في تعبيرها السيري الجُوّاني وموقفها الكينوني الخاص من العالم والأشياء، سهل المنال ومتخفّفًا من نزوعه التجريدي أو الذهني. فما كان يُعدّ « سريّاً » أصبح مشاعاً ومتاحًا للجميع، ويظهر «حميمية مُعلنة» تمزج الواقعي بالتخييلي، والاعتراف بالعرض الذاتي.
عبر هذه الكتابات، لن تعود الذات في الفضاء الرقمي تُكتب بوصفها كيانًا مُوحّدًا وملتمًّا على نفسه، أو يجري تمثيلها كذلك، بل صارت تُقدَّم بما هي ذات «سائلة» يُعاد صياغتها باستمرار، وتعبر عن «هويات منشطرة» بحسب ظهورها المتعدّد داخل الوسائط، أي «بلا رسوّ». بل يمكن أن يطغى هذا الظهور على حقيقة الذات المرجعية، فيتحول إلى «رأسمال رمزي» يُقاس بالتفاعل وفق منطق المنصة وكفاءتها الإنجازية، ويغتني من مجموع تفاعلات، وتعليقات، ومحادثات، وصور شخصية أو مشتركة.
ألغاز التلقّي
كيف يتفاعل المتلقي مع هذا النوع من الكتابات؟ وهل له دور حيوي في إعادة تشكيلها؟
بالنظر إلى خاصية المنصة التي تتسم بالقصر والمحدودبة والإيقاع السريع، تتقدم كتابات الذات، وغيرها، في شكل شذرات ونصوص شخصية واعترافية قصيرة، مكتفية بذاتها أو لها صلة بغيرها، وقد تكون مُصاحَبةً بصور ومؤثرات صوتية تشكّل في حد ذاتها سرداً ذاتياً بصرياً ذا قيمة مضافة؛ ولهذا تنتج هذه الطبيعة التفاعلية تلقّياً مختلفاً يتحرك وفق منطق المنصة ولكن يغنم من الإمكانات الإنجازية التي يتيحها، فهو لا يقرأ النص وحسب، بل يًعلّق عليه بإعجاب وتعاطف، ويتقاسمه بدافع الفضول، ويناقشه، ويشارك في الصياغة، ويسقط تجاربه عليه، وأحيانًا يُعدّل ويُصوّب بعض التحريفات وأشكال النسيان والسهو؛ أي يصير مُعادلاً للكاتب، بدلاً من كونه « آلة » تتعيّش على فائض المعنى كما في النظرية التقليدية. فكل تعليق، ومشاركة، وتعديل يتمّ في ساعته، إنما يُعدّ شكلاً من إعادة كتابة الذات في نظر الآخرين وعبر مراياهم، فهم شهودٌ على فعلها الاعترافي ومراقِبون لسلوكها ومواقفها مما يَرِد في كتابتها بوصفها شهادة، وقد يمتدّ ذلك إلى الصياغة الفنية للمكتوب إذا كان يصدرون عن وعي جمالي.
صحيحٌ أن هذا التلقّي لحظيٌّ وآني يقرأ المادّة المكتوبة فور نشرها، وقد ينتج ذلك إلى إصدار تعليقات انفعالية وأحكام قيمة مسبقة وتأويلات مغرضة ممن وصلت إليهم التدوينة دون غيرهم تبعاً لعمل الخوارزمية، وقد تجد بعض أصحابها ينتحل أسماء مستعارة وأقنعة متخفية، إلا أن ذلك في زخمه التفاعلي لن يمرّ بغير تأثير، أيّاً كانت طبيعته، في الباثّ وفي شهادته التي تتحول إلى قصص نوسطالجيا، وإلى « تاريخ فوري » يوقظ المهمل والمنسي من ذاكرتنا، بل إلى حدث اجتماعي مباشر إذا كان الذي أدلى بها من ذوي الصيت الأدبي والثقافي، فيخلع عليها قيمة رمزية خاصة. ومن هنا، هذا تبدو العلاقة بين الكاتب/ الباثّ والمتلقي عبر الوسيط الرقمي أكثر تعقيدًا وإلغازًا مما نتصور، فهي علاقة تشاركية تحكمها أبعاد رمزية ونفسية واجتماعية متشابكة.
هل هذا أنا؟

قبل عقد من الزمن، قرّرْتُ أن أنشر مقاطع من سيرتي الذاتية في حلقات على صفحتي بالفيسبوك، تحت عنوان: « ضوء ودخان ». كنت معجبًا بكتب السيرة الذاتية وبالمحاورات الأدبية التي كان تُجرى مع الأدباء على شاشة التلفزيون، كما ساعدني اقترابي من فنّ السيرة على مستوى النظرية والخطاب الأدبي، أن أنظر إلى هذا الفنّ بتهيُّبٍ كبير، لأن السيرة ليست تخييلاً كما يتيحه الشعر والرواية نفسها، ولكنها نصٌّ مرجعيٌّ، هدفها يتعدى « أثر الواقعي » إلى كشف « الحقيقة ». تردّدتُ في بادئ الأمر، لأن ما سأنشره شخصي وحميم واعترافي على نحو ما، وأنا بطبعي شخص كتومٌ. ثُمّ ما حاجة الأصدقاء إلى هذه الشذرات؟ هل فيها ما ينفع الناس ويحقق بعض المُتع عندهم؟ ومن أكون حتى أتوهّم دافعًا أقوى لنشرها والرغبة في إذاعتها؟
لكن قرّرتُ النشر. فضول المغامرة قادني إلى حسم الأمر، وشيء من نرجسيّتي الدفينة كذلك. أقول: المغامرة، لأني قد أعود إلى إتلاف التدوينات إذا أخفقت في « صِدْقي » وفي التواصل بسلاسة مع ذاكرتي، ثُمّ بدت لي ضربًا من السخف. وحتى القراء المفترض أن تصل إليهم، وهم في الغالب أصدقاء معروفون من الوسط الأدبي والثقافي، وبعضهم طلبة باحثون وآخرون تدفعهم رغبة الفضول، قد يشكّلون محكًّا حقيقيًّا لاختبار صدق هذه المغامرة، مع أنهم لم يطلبوا منّي أن أقسم لهم بأغلظ الأيمان بأني لن أقول إلا الحقيقة. التصدير الذي استهللتُ به نشر شذراتي السيرذاتية، كان نوعًا من ميثاق الشرف أو التعاقد الأخلاقي الذي يعقد النية مع هؤلاء القراء، على قول الصدق والتزام أمانة الأحداث المسرودة كلما استطاعت الذاكرة إلى ذلك سبيلًا. فلم يكن ثمة في الظاهر، ما يتعارض مع رغبتي في أنّ ما سأحكيه عن ذاتي ينبغي أن يكون حقيقيًّا، وأن يكون صادقًا، أو أنّ ما تحكيه ذكرياتي هو ما عِشْتُه بالفعل. هذا التشبّث بـ »الشخص الحقيقي » الذي أصدر عنه، وأتحمل باسمه العلَمي ضريبة الصدق، هو ما يجب أن يميّز تلك الشذرات لأنها تنتمي إلى نوع السيرة الذاتية كنصّ مرجعي، لكن الذاكرة قد تنسى في بعض أطوارها حقيقة ما مضى من ذكريات الطفل الذي كانه؛ وهذا ليس مشكلة في عرف الكتابة الأدبية، بل ذريعة سانحة تسمح للتخييل بأن يدخل على الخطّ دون نية « تجريف » آثار الحقيقة، وإنما هو يعمل على وصفها بطريقة رومانسيّة حالمة، ورمزية خاصة، كأنه يعيد اكتشاف الذات وهويتها من جديد، ويمنح لعناصر مبعثرة من شذرات السيرة التي لم تكتمل بعد، معنىً وانسجامًا خاصّيْن. تعلّمتُ من قراءاتي أنه لا يمكن لي أن آخذ في الاعتبار حياتي كما جرت. هذا أمر مستحيل. لكن عليّ أصنع من حياتي الماضية حَكْيًا، وأعمل على تكييف متوالياتها المستذكرة مع الإكراهات المرتبطة بالشكل المسرود رقميًّا.
عندما شرعت في نشر الشذرات، التي لم تكن متاحةً ورقيًّا من قبلُ، على صفحتي الفايسبوكية، وبات الأصدقاء يتفاعلون معها من زوايا ومشارب مختلفة، نفسية واجتماعية وجمالية، بدا لي أنّ ثمة ثقة بيني وبين هؤلاء المتلقّين أخذت تنشأ، وأن الميثاق نفسه آخِذٌ في السريان، وهذا أمرٌ مُهمّ بالنسبة إليّ، إذ شجعني على المضيِّ في نشرها وإتمامها، بديلًا عن أيّ إحباط أو مسعى مغرض من أحدهم يتربص بالمشهد. سأكتشف مع الوقت أن هذه السيرة لم تعد تعنيني وحدي، بل ذواتٍ أخرى تتدخل في أحداثها بتعليق أو رأي جمالي، وتتماهى عاطفيًّا مع ما يَرِد فيها من وقائع وسياقات وشخصيات عائلية ومرجعية، وقد تسقط تجاربها عليها، وتحاول أن تجد فيه جوابًا لما تبحث عنه، وتوقظ فيها ذكرى عابرة، أو موقف نادر، أو صورة نوسطالجية أجراسَ الجذور من رقادها.
لقد كانت التفاعلات المتنوعة، المسموعة والخفيّة، تساهم في إثراء السيرة، وفي صياغة الذات باستمرار وتحويل هُويّتها إلى مشروع لانهائي من البحث والاجتراح: أعيد الكتابة، أصوّب معلومة في التاريخ، أتراجع عن سهو، أفسح الضوء لممرّ معتم، أشذب زهورًا برّية، إلخ. مثل هذا التنقيح لا يُفقد السيرة « صدقها »، بل يحقق في صميم نسيجها درجة الوعي بما تكشفه وكيف ترويه، على نحوٍ يمنحها صدق التجربة في كٌلّيتها وبعدها الإنساني، ويعيد تحبيك عناصرها المتشذرة بما يهبها معنىً في الوجود وانسجامًا خاصًّا. كنت أشعر بأنّ ذاكرتي تنشط من عقالها وهي تكتظّ بأصواتهم وهمهماتهم وأجراس حنينهم، وتسبقني إلى الصفحة الظلالُ والإيحاءاتُ والفسيفساءاتُ لأشخاص أحياء من جيلي وأفراد قريتي وأتراب طفولتي وزملائي في الدراسة، أو لأطياف ضاعوا في الطريق من مئات السنين؛ وأيّ شعور هذا وأنت تواجه الصفحة وقد تحوّلتْ إلى حلبة صفْحٍ وتصحيفٍ ومصافحةٍ من يدٍ ليد، بل من روحٍ إلى روح.
ذلك الطفل الذي نزح من القرية ذات صيف وحُرِم منظرَ غروب الشّمْس ورائحة الخبز في الفجر، لم يكن يعرف أنّ سيرته – أو هكذا أتخيّل- تُعبّر عن لاشعورٍ سياسي جريح لجيلٍ بأكمله، حين جعل من كتابة الشعر تعبيرًا عن عزاء ما، ومن الصفحة مُعادلًا لمحبرة العطش الذي يلتمع مثل شأفة في نهر الحياة السائلة.
نعم، ظفرتُ بالسيرة بين دفّتي كتاب ورقي، ولكن أنّى لي أن أعثر، وقد ذابت، على لآلئ الصفحة!


لا تعليق