عبد اللطيف الوراري
لم تلفت الهويّةُ اهتمام الدارسين بها إلا حين صارت متغيرة، إذ عبرت تاريخيًّا عن تفكك المجتمعات، وفي المقابل زاد الشعور بالهوية الفردية، بعد أن وجد الأفراد أنفسهم مطالبين بتعريف معنى حياتهم في مرحلة تميّزت بالدينامية، وكان من أبرز وجوهها: التحرير النفسي وانعدام الأمن الهويّاتي.
في حقل الكتابة الأدبية، يُنْظر إلى الهُويَّـة بوصفها مُصْطلحًا متعدد المعاني؛ فالمصطلح – مثلاً- يشير إلى اسم المؤلف الحاضر في النص، ويشير كذلك إلى علاقة التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية. فاستعمال اسم العلم من قبل المؤلف لا يسمح بتحديد هوية حضوره في النص فحسب، بل بالتفكير في اكتشاف هُويَّته. فمسألة توظيف اسم العلم هي حاسمة، وحضوره الأساسي يجعل من تعيين النوع أمرًا ثانويًّا. ومن ثمة، إذا كان المؤلف يتفكّه مع اسمه، فليس الأمر كذلك بالنسبة إلى القارئ، وهو ما نبّه إليه فيليب لوجون في قوله: «في إنجاز الكتابة، يقيم السارد نمطين من المسافة: فهو يقف في مواجهة ماضيه وفي مواجهة كتابته على حدٍّ سواء».

صورة الذات
يفترض هذا الموقف – نصّيًا- المقابلة بين صورتين: صورة السارد (الراشد) الذي يُواجه نظرة الشخصية (الطفل)، من خلال صيغتين رئيسيتين: تحديد الهوية أو الابتعاد. يشير تحديد الهويّة إلى استمرار «جسر» عاطفي بين الطفولة وسنِّ الرشد، الجسر الذي يسمح للسارد، رغم المسافة الزمنية، بأن يستردَّ الحياة بالكثافة نفسها والمشاعر التي لا زال يُحسّ بها. أما الصدق الذي يستتبعه الميثاق، فإنّه يجعل أيَّ سمة بلاغية مفرطة أمرًا مشتبهًا به: يبحث سارد السيرة الذاتية في الغالب عن خلق انطباع بما هو «طبيعي»، وبغياب بناء الحكي الذي تواصله تعرُّجات الذاكرة بغير مزيد من القيود عليها: هكذا ستكون الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها للذاكرة هي العلامة الرئيسية للكتابة السيرذاتية.
في السيرة الذاتية، ثمة تباين بين الأنا المرويّ والأنا الراوي. هذا التمييز هو بديهيٌّ بالنسبة إلى التخييل الذاتي الذي يذهب أبعد من ذلك؛ ألا يكون امتياز التخييل الذاتي حقيقةً بالتساؤل عن علاقة التطابق (=) أو علاقة الغيرية (≠) بين المؤلف والسارد أيًّا يكن الاسم هو نفسه؟
في العبور من السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي، تُطرح إشكالات نظرية، وفي مقدِّمتها: الهوية. لن تعود الهُويّة (التطابق) مُعْطىً ثابتًا، بل سوف تصبح سيرورة ضدّية تنجم عنها هُويّات متعددة. ففيما تبحث السيرة الذاتية بشكل استرجاعي عن هوية موحدة، يخترع مؤلف التخييل الذاتي ذوات ممكنة: يتوجّه كاتب السيرة الذاتية، وهو يبحث عن وضوح الهوية الدائمة، نحو ماضيه ويربطه بالأحداث، وقد يعيد خلقه عند الاقتضاء. وأما مؤلف التخييل الذاتي فهو يجرب أكثر من حاضر وأكثر من مستقبل ممكن. يعيد الأول قراءة ذاته، فيما الثاني يبتكرها. ورُبّما تَوجّه التخييل الذاتي نحو الماضي أكثر منه إلى المستقبل. وعلى هذا الاعتبار، تُبَنْين الضرورة الحكي السيرذاتي، ويطبع جواز الحاضر واحتماله اليوميات الحميمية والمراسلات وحتى التخييل الذاتي نفسه كما يرى سيرج دوبروفسكي: ما يُميّز السيرة الذاتية أساسًا، من خلال معارضتها بالتخييل الذاتي، هو أنّ الأمر يتعلق بنوع يُكتب دائمًا في الماضي. فالإنسان يحاول في نهاية حياته أن يستعيد، أو يفهم، أو يتّصل، أو يُطوّر الكلّية حتى لحظة الكتابة (…) بينما أحد مظاهر التخييل الذاتي أنّه يحيا في الحاضر. الذات الحاضرة، وليست ذات الكاتب التي تكتب السيرة الذاتية، لأنّها تحضر بوصفها نصًّا مكتوبًا في السيرة وعبرها.
يتساءل أغلب الباحثين في الهوية عن علاقتها بالزمن، الماضي والحاضر تحديدًا. ومنهم من أقدم على مقاربة الأنواع من خلال مفهوم الهوية بما أنّها مقاربة مهمّة، وذلك لأنّنا في الغالب لا نتكلم – أو يكاد- عن الحقيقة في صلب النقاشات الدائرة بخصوص السيرة الذاتية أو التخييل الذاتي على وجه الخصوص. في هذا السياق، يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي جان كلود كوفمان أنَّ الهوية ليست كيانًا بل سيرورةً- بَلْه سيرورة ضدّية، مستعيدًا مفهوم «الهوية السردية» الذي أدمجه بول ريكور في كتابه ذائع الصيت «الذات نفسها كآخر». فكاتب السيرة الذاتية يعود إلى ماضيه ويحرِّر بشكل استرجاعي ما به يتمُّ المعنى ويخلق الانسجام الذي لا يتضمنه الحاضر، فيما التخييل الذاتي يتمّ كتابةً في الحاضر؛ أي بعبارة أخرى ممكنة، تلتصق السيرة الذاتية بالهوية السردية، بينما التخييل الذاتي يُعنى بالهوية المباشرة: تستعمل الذات Ego، بين الهوية السيرية والهوية المباشرة، صيغتين هُوياتيّتَيْن تتعارضان نسبيًّا في منطق اشتغالهما، ثم تمتدُّ شبكة من الصيغ الأكثر تعقيدًا وتنوُّعًا، تجمع بطريقتها بين الاستمرارية والقطيعة، وهو ما يجعل الذات تنخرط بالفعل في أكثر من منطقٍ للحياة تعاقبيٍّ وتعدُّديٍّ، حتى وهي تتحرك في ظلِّ التاريخ الوحيد المفترض.
من هنا، فإنّ كاتب السيرة الذاتية الذي يتوجه نحو ماضيه، يدرك الهويّةَ كموضوع مفقود ينبغي العثور عليه ثانية، فتسعى كتابته إلى بناء هوية نصّية موازية (معادل لغوي وذهني..) لتجربة الحياة الفردية في الوجود، ولا تنتج من خلال لغة الكتابة إلا ما يضفي عليها أشدّ معاني الاعتبار رفعةً؛ وهذا ما معنى أن يكون انشغال الهوية يتوجَّه في واقع الأمر إلى ابتكار الذات بشكل أساسي، ولا معنى لهذا الابتكار في غياب الآخر.
الذات بوصفها آخر
يمكن اعتبار الفرق بين السيرة الذاتية والسيرة كالفرق الجاري بين الهوية والغيرية: تبحث الأولى وحدة الذات، بينما تبني الثانية غرابة الآخر. وفي التصوُّر الحديث، فإن الهوية والغيرية لا تتعارضان كما يوحي بذلك الظاهر؛ فالمغامرة السيرذاتية لا تتحقق إلا بانعطافة البحث عن الغير: أي بالبحث عن الهوية من خلال الغيرية، أو من خلال الجهود التي تبذل للتماهي مع الآخر.
إنَّ إشكالية الهوية/ الغيرية لا يمكن أن تُرسم بشكل أفضل إلا عبر العلاقة الدقيقة والمعقدة كمثال العلاقة بين الأب/ الطفل. يُومَأ إلى هذه الهوية بصور الأب والطفل، التي تتشابه بشكل مدهش حسب لعبة الغيرية التي تجري في مستويات شتّى. حتى الأنا الذي يُعتقد أنه تمَّ العثور عليه، ليس وحدة مماثلة بسيطة؛ إنّه يكون قد تعدّد واستحال إلى آخَر غيره.
وإذ يُقارن الفعل السيرذاتي بالنرجسية في الغالب، فليس لأنّهما سيرورتان تتعرّضان لخطر التشظي في الرؤية فحسب، بل كذلك لأنّ هناك تشابُهًا أكثر عمقًا: نرجس ينظر إلى نفسه، ليس في المرآة الجامدة، ولكن في الماء الذي يتدفق. من هنا مزيّة «الهروب»، الجريان، اللااستقرار، التقلُّب، والخيانة كذلك، كما يشير إلى ذلك جيرار جينيت: «يتأكد الأنا، لكن تحت أنواع الآخر: الصورة المرآوية هي رمزٌ تامٌّ للاغتراب». من هنا، تكشف العودة إلى الذات والتطابق معها عن كونهما محض وهم ومشكوكٌ فيهما، كما تؤكد ذلك العبارة الشهيرة لآرثر رامبو «أنا هو الآخر»، أو تلك التي طوّرها جيرار جنيت نفسه: «أنا هو الماء الذي يتدفّق». فالفعل السيرذاتي نفسه هو، إذن، فعل غيريّة. غيريّة الذات هي مرحلة ضرورية ولا يمكن تجاهلها لفهم الذات وإدراكها: الذات عينها كآخر – كما يقول بول ريكور- يوحي منذ البداية بأنّ ذاتية الذات عينها تتضمن الغيرية بدرجة حميمية، حتى إنّه لا يعود من الممكن التفكير في الواحدة دون الأخرى.
إذا كانت السيرة الذاتية- كما تواضع على ذلك دارسوها- تقترح رؤية منسجمة لماضيها، فإنَّ التخييل يتوجه نحو اختراع صور الذات الممكنة واختبارها. في كلتا الحالتين، بالنسبة إلى المؤلف كما للقارئ، يصير النص الذي يقترح هُويّات مفترضة بمثابة الفضاء الحقيقي للبناء الهُويَّـاتي: القراءة كما الكتابة تنتميان إلى الحياة الحقيقية، والموضوع الأساسي بالنسبة لبعضهما الآخر ليس الحقيقة، بل المعنى.
فالبناء السردي للهوية ليس له بعد نفسي وخلقي وآخر اجتماعي، بل كذلك تخييلي؛ فلا يُعنى بما تمّ عيشه ومعاناته فحسب، وإنما ما تبقّى – وما أكثره- ضمن المنسيّ والمكبوت والمحلوم به الذي لم يتحقق لعوامل مفترضة، فيلجأ كاتب السيرة شعرًا أو نثرًا إلى استثمار معطياته نصيًّا داخل النسيج السردي لهوية الأنا وهويّة الكتابة، بما فيها من تهويمات وإسقاطات وأحلام يقظة وغير ذلك مما يُشكّل العوالم الرمزية والممكنة لأفعالنا وعقولنا ومُخيّلاتنا.
يتجاوب هذا النزوع التخييلي للسيرة مع بنيات هويّتها السردية التي تسعى على الدوام إلى شكل ما من التكامل السردي الذي يعطي لمفاهيم الحياة المعيشية وأحداثها معانيَ لم تكن تمتلكها وقت حدوثها، وتعطي لطريقة سردها طابعًا أكثر اتساقًا وانسجامًا، حتى وإن كانت في جزء كبير منها متشذّرة ومُفكّكة. إنّ سرد السيرة يبتكر أكثر من كونه يصف: ففي لحظات التذكُّر الذي يحدث في الحاضر، يُسْتدعى واقع « أحداث الماضي » بثراء وعمق، وكان من المستحيل معرفتها وتقييمها حين مرّتْ بنا « في الأصل ».


لا تعليق