برحيل إدغار موران، تنطفئ واحدة من أكثر العقول يقظة في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. لم يكن الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، الذي عاش أكثر من قرن، مجرد شاهد على عصر مضطرب، بل كان أحد الذين فكّروا في هذا العصر من داخله، وواجهوا مآسيه وأسئلته الكبرى بعقل لا يطمئن إلى اليقين، ولا يستسلم للتبسيط. فقد ظلّ، طوال حياته، يتحرك بين التجربة والفكر: مقاوماً للنازية، شيوعياً في سنوات الحرب، منشقاً عن الستالينية بعد انكشاف مذابحها، عالم اجتماع للحاضر، ومفكراً في مصير الإنسان داخل عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً. ومن هذا المسار الطويل تبلور مشروعه الأبرز، «الفكر المركّب»، بوصفه دعوة إلى جمع ما فرقته التخصصات، وإلى النظر إلى الإنسان والعالم في شبكة علاقاتهما لا في عزلة المفاهيم المغلقة. وهكذا تطوى صفحة واحد من أبرز مفكري العصر، ممن شغلوا خريطة الفكر الإنساني على مدى عقود، بآرائه وأسئلته ومواقفه التي أثارت الجدل وفتحت مسالك جديدة للتفكير. فقد ظل موران حتى سنواته الأخيرة منشغلاً بأحداث التاريخ، في مواجهة حية ومتوترة مع القرن الذي عاشه وتفاعل معه، ومصراً على أن الفكر لا ينفصل عن الحياة، وأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تعترف بتعقيد الإنسان وهشاشة مصيره.
الفكر المركب
يحتل إدغار موران موقعاً فريداً في الفكر الفرنسي والعالمي بوصفه مفكر التعقيد بامتياز، ضمن الجيل الذي أعقب الوجودية والبنيوية على وجه الخصوص. وإذا كان مشيل فوكو ارتبط بتفكيك السلطة، واهتم بيير بورديو بنقد الهيمنة الرمزية، فإن إدغار موران احتل موقعاً خاصاً؛ إذ لم يكن وجودياً خالصاً ولا بنيوياً ولا ما بعد بنيوي، بل سعى إلى تجاوز الانقسامات بين هذه التيارات، وانتقد النزعة الاختزالية التي تفصل الظواهر الإنسانية إلى عناصر معزولة، داعياً إلى فهمها في ترابطها وتعقيدها، وإلى وصل بعضها ببعض من أجل بناء ما سمّاه «الفكر المركب»، إذ لا حدود فاصلة بين العلم والفلسفة، والذات والموضوع، والعقل واللاعقل، والفرد والمجتمع، ولا بين الطبيعة والثقافة.
لقد ارتبط مشروعه الفكري بسعيه الدؤوب لفهم العالم بوصفه شبكة من العلاقات المتداخلة التي لا يمكن إدراكها عبر التفكير الاختزالي. ولذلك كان يُنظر إليه باعتباره أحد أهم المنظّرين لفلسفة التعقيد والمعرفة العابرة للتخصصات، ناقداً للنزعة الوضعية الصارمة، مُعيداً النظر في منطلقات الإبستيمولوجيا الكلاسيكية ذات النسق الدوغمائي المرتكز على مبادئ مطلقة، ومنظّراً لإصلاح الفكر والتعليم والمعرفة. ولهذا أثّر مشروعه في علوم بكاملها، مثل علم التربية، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والدراسات البيئية، ونظريات المعرفة والتواصل والدراسات الثقافية.
في جمعه بين البحث السوسيولوجي والفكر الفلسفي والدراسات السياسية، كان موران من خلال براديغم التفكير المركب القائم على التنسيب الانفتاح والحوار النقدي، وخلاصة الثورة العلمية التي يشهدها عالمنا اليوم، يدعو باستمرار إلى الاستفادة من الدرس الإبستيمولوجي مع رواده الكبار، من أمثال غاستون باشلار وكارل بوبر وتوماس كون، فالفكر ـ في نظره- لا يمكن أن يستمر إلا عن طريق الجدل والنفي والقطائع، وليس عبر التراكم وتبني الأفكار اليقينية، أو الحقائق المطلقة التي لا مكان لها في مجال المعرفة الإنسانية. كان شغله الشاغل هو التفكير في مصير الإنسانية في عصر العولمة والأزمات البيئية والتكنولوجية، داعياَ إلى بناء ما سماه «الأرض- الوطن» من خلال تنمية وعي كوني يجعل البشر يدركون مصيرهم المشترك.
يمثل كتابه «المنهج» La Méthode (1977- 2004) ذروة مشروعه النظري؛ إذ حاول فيه إعادة بناء أسس المعرفة انطلاقاً من التعقيد والتفاعل والتنظيم الذاتي، وهو ما جعل الكثير يعدّونه أحد أكبر المشاريع الإبستيمولوجية في الفكر المعاصر. يتألف الكتاب من ستة مجلدات (طبيعة الطبيعة، حياة الحياة، معرفة المعرفة، الأفكار، الإنسانية والهوية الإنسانية، ثم الأخلاقيات)، يمكن قراءتها، من دون التقيّد بترتيبها الزمني. فهو موسوعة معرفية تسعى إلى وصل المعارف بعضها ببعض ضمن حركة دائرية متفاعلة؛ إذ تُعرض فيه فكرة «المنهج» بصورة دورية، بل تكرارية أحياناً، وتُطبَّق على عدد كبير من المفاهيم والقضايا.
وفي قلب هذا المشروع، لا يُنظر إلى فكر التعقيد الذي نحته الرجل بدأب صبور، بوصفه نظرية معرفية فحسب، بل بوصفه مشروعاً لإصلاح العقل والوعي الإنساني؛ أي محاولة لتكوين إنسان قادر على فهم عالم متشابك ومتغير، من دون السقوط في التبسيط أو الدوغمائية.
علاقته بالسينما
كتب موران الرواية والسيرة الذاتية، واهتم بالفنون، ولاسيما فن السينما، في كتابه «السينما أو الإنسان المتخيل» (1956)، الذي يعد من النصوص المؤسسة في الدراسات السينمائية الحديثة. ففي هذا الكتاب يرى أن السينما لا تعكس الواقع فحسب، بل تعيد خلقه عبر المخيلة الإنسانية، بقدر ما هي تمثل نقطة التقاء عالمي الواقع والخيال، اللذين يعيش بينهما الكائن الإنساني من خلال مفهومي الإسقاط والتماهي، وهذا ما يفسر قوة التأثير الوجداني للسينما عند جمهور الناس. وفي كتابه «النجوم» (1957- 1972)، اهتم بظاهرة نجوم السينما، وحلّل كيف تحوّل النجوم إلى أساطير حديثة. فإذا كانت الأسطورة في المجتمعات التقليدية مرتبطة بالآلهة والأبطال، فإن الثقافة الجماهيرية في العصر الحديث صارت تنتج أساطيرها الخاصة عبر نجوم السينما، بل شارك مع عالم الاجتماع والسينمائي جان روش في إنجاز الفيلم الوثائقي «وقائع صيف» (1961)، الذي هو من نمط السينما المباشرة، وفيه يتم التقاط الحياة اليومية للناس العاديين، ومساءلة معنى الحقيقة في الصورة السينمائية. فعلاقته إذن، بالسينما كانت عميقة ومبكرة، بل إنها كانت أحد المداخل الأساسية للتفكير في الثقافة والخيال والوعي الجماعي، وقبل أن يشتهر بوصفه صاحب «فكر التعقيد»، كان من أوائل المفكرين الذين تعاملوا مع السينما بوصفها موضوعاً معرفياً وفلسفياً جديراً بالدراسة؛ فهي ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل رأى فيها مرآة تكشف آليات النفس الإنسانية، وتتيح فهم العلاقة المعقدة بين الواقع والخيال، وبين الذات والعالم. فقد رفعها من مرتبة «الفرجة» إلى مرتبة «الموضوع الفلسفي والسوسيولوجي»، بما هي مختبر حقيقي لفهم الإنسان الحديث؛ على نحو يكشف كيف تتشكل الأحلام والرموز والهويات الجماعية، وكيف يتداخل الواقعي بالمتخيل في بناء التجربة الإنسانية.
سيرة بين موت وحياة
كتب موران أكثر من عمل ذي طابع سيرذاتي، لكن أبرز نصوصه في هذا المجال هما: «فيدال وأهله» (1989)، و»شياطيني» (1994). يقع الكتاب الأول بين السيرة الذاتية والسيرة العائلية، ويتمحور حول والده «فيدال ناحوم»، ويعود إلى جذور عائلته اليهودية السفاردية، التي تنحدر من مدينة سالونيك. يجعل موران من شخصية والده محوراً للسرد. وقد وصف بعض النقاد هذه السيرة بأنها «سيرة مزدوجة»؛ لأنها تسرد حياة الأب والابن في آن واحد، بحيث تتحول كتابة الذات إلى كتابة الآخر كذلك. فيما يقترب الكتاب الثاني من السيرة الفكرية والوجودية، إذ يتتبّع فيه ما يسميه «شياطينه» الفكرية والوجدانية، أي مجموع القوى الخفية والأفكار والتجارب والهواجس العميقة والأسئلة الوجودية والتناقضات الداخلية التي كانت توجهه وتصنع شخصيته ومساره، عبر الأحداث والتجارب التي عاشها (الحرب العالمية الثانية، خوفه الدائم من الاعتقال، الانخراط في شبكة المقاومة ضد الاحتلال النازي، تبنيه اسم «موران» الذي سيصبح اسمه الفكري، انضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، نقد التجربة الشيوعية، خيبة أمله من الستالينية، اكتشافه حدود الأيديولوجيات المغلقة، انتقاله نحو فكر نقدي أكثر استقلالاً، إلخ). وقد يكون موت أمه «لونا» وهو في العاشرة من عمره، بمثابة الحدث المؤسس في حياته كلها، حيث ولّد لديه شعوراً مبكراً بالفقد والموت، وأيقظ في نفسه أسئلة موخزة تأثرت بها نظرته للعالم. ومن خلال كل ذلك، كان يريد أن يفهم كيف تشكلت هذه القوى وكيف ساهمت في بناء فكره ومشروعه المعرفي الذي يرفض الانغلاق داخل هوية واحدة، فيما هو يرى نفسه كائناً متعدد الانتماءات.
ولهذا فإن قراءة «شياطين «موران تساعد على فهم الخلفية الوجودية والعاطفية لفلسفة التعقيد نفسها؛ إذ نكتشف أن كثيراً من أفكاره الكبرى، مثل التعدد، واللايقين، والترابط، والهوية المركبة، ليست مفاهيم نظرية فقط، بل تجارب عاشها في حياته الشخصية قبل أن يصوغها في مشروعه الفكري، وقد كتب: «لست من أولئك الذين لهم مسيرة مهنية، بل من أولئك الذين لهم حياة». وقد ظلت هذه الحياة تتغذى باستمرار من تناقضات العالم وتوتراته، كما من التناقضات التي كان يختبرها في ذاته. وتدلّ على ذلك حتى قصة ميلاده؛ فحين وُلد إدغار ناحوم يوم 8 يوليو/تموز 1921 في باريس، داخل أسرة يهودية، كانت لحظاته الأولى معلقة بين الحياة والموت. كانت أمه «لونا» قد أخفت عن زوجها «فيدال» أن الأطباء منعوها من الإنجاب بسبب علّةٍ في القلب نتجت عن مضاعفات الإنفلونزا الإسبانية التي أصيبت بها سنة 1917. ومع ذلك، نجا الطفل ونجت الأم، ونشأت بينهما وشيجة حب وتعلق متبادل لا ينفصم. غير أن هذه الوشيجة ستتعرّض لصدمةٍ مُدمّرةٍ في حياة إدغار الصغير؛ إذ توفيت أمه إثر أزمة قلبية يوم 26 يونيو/حزيران 1931، عندما كان يقترب من سن العاشرة.
وقد وصف موران هذه الحادثة لاحقاً بأنها «هيروشيما داخلية»، ومنذ ذلك الحين، سيجد نفسه مضطراً إلى أن يعيش وفق العبارة التي استعارها من الفيلسوف الإغريقي هيروقليطس وجعلها شعاراً لحياته: «أن نحيا من الموت، وأن نموت من الحياة».
تأتي الذكريات لمُلاقاتي
بمناسبة صدور كتابه السيرذاتي «تأتي الذكريات لمُلاقاتي» (Les souvenirs viennent à ma rencontre)، أجرى كريستيان ديسكامب وتيفان سامويو حوارا مُطوّلا مع المفكر الفرنسي الراحل إدغار موران (1921- 2026)، وفيه أثارا أبرز معالم فكره التي استعادها في هذا الكتاب، وانتسجت خلال القرن العشرين. لكن نأخذ من هذا الحوار (بتصرف) ما يفيد الطابع السيري للكتاب، وما له علاقةٌ بمنهج التعقيد، وبتأثير الأدب في سيرة موران وفكره المركب.
*بخصوص نهجك، تقول بطريقة ساخرة: «للأسف، أنا من عائلة جان جاك روسو». فما الذي يميّز هذا الكتاب عن نصوصك السيرذاتية الأخرى؟
– كتبتُ من قبل نصوصاً ذات طابع سيرذاتي، لكنها كانت تتركّز أساساً على تطوري الفكري. أما الجانب المعيش من حياتي فكان يوجد دائماً في مرتبة دنيا. في هذا الكتاب، كان الدافع الأول هو أن أستعيد حياتي وشخصيّاتٍ طالما قدّرتهم وأعجبت بهم، وظلّ كثيرٌ منهم مجهولين، لاسيّما أولئك الذين شاركوا في المقاومة. أردتُ تأليف كتاب بعنوان: «أصدقائي، أبطالي». أثناء التفكير، أخذت شذراتٌ من الذكريات تنادي عليّ تباعاً. فأردت أن أترك الذكريات يتداعى بعضها من بعض، وأن تشكّل طرازا دائريا يضمّ إليه كل أولئك الأشخاص الذين عرفتهم. لم تكن ٍمذكّرات مرتّبة ترتيباً زمنياً، ولا هي تستعيدها بتمامها. لكن لنقل إن الكتاب يمثّل الجزء الأكثر شخصية من ذاتي، والذي أعتزّ به أكثر من غيره.
وبهذا المعنى، أقول عن نفسي بأنني ابْنُ روسو؛ فالكثير ممن يروون حياتهم يسعون إلى اختلاق صورة مثالية عن أنفسهم. أما أنا فأحاول أن أنزع عن نفسي هذه الصورة، لأظهر أنني أعيش بالأفكار بقدر ما أعيش بالتفاصيل الصغيرة، وأن كليهما معاً يخلق نسيج الحياة. وقد كنت أفعل ذلك بالفعل في يومياتي، غير أنني هذه المرّة فعلته على نطاق أوسع، وعلى امتداد الزمن الطويل الذي شكّل وجودي.
* في الوقت نفسه، لا يشعر القارئ بأن الكتاب يخضع لمنطق زمني وحيد.
– في البداية، حرصتُ على إعادة بناء نوع من النظام السِّيري. أردتُ أن أنطلق من سنوات ما قبل الحرب، ومن فترة «الحرب الزائفة»، ثم من الاحتلال فالمقاومة. بعد ذلك، تركتُ لنفسي قدراً من الفنتازيا، وسمحتُ لطبقات مختلفة من الذكريات أن تتقاطع بينها، حسبما تمليه الذاكرة وتقلباتها..
*في هذا الكتاب نرى كيف تولّدت فكرة «التعقيد» داخل مجالات متعددة: التاريخ، والفلسفة، والعلوم. وأنت تنتقل باستمرار من السيرة إلى القضايا الكبرى للفلسفة، مستنداً إلى تصور للعلم لا يقوم على سلطة أو حقيقة مطلقة.
– أعتقد أنني، بحكم كوني شخصاً لم يتلقَّ ثقافة جاهزة من أسرته أو من والده، اضطررت إلى أن أكوّن نفسي بنفسي. فأنا من مواليد سنة 1921، وقد عشتُ في زمن مضطرب، كانت تُعرض فيه على المواطنين حلول متعارضة أشدّ التعارض، وكانت تُطرح على البشر مشكلات تزداد تعقيداً وإثارة للقلق. لذلك وجدتُ نفسي، بصورة طبيعية تقريباً، مدفوعاً إلى التساؤل حول المجتمع والسياسة والإنسان ومصيرنا المشترك. ولأنني كنت ذا طبيعة منفتحة نوعاً ما، فقد كنت أتأثر بالأفكار المتعارضة. إذا قيل لي: «يجب أن نحدث ثورة شاملة»، أجيب: «نعم». وإذا قيل لي: «إن الثورات تُفضي إلى نتائج قد تناقض نواياها، ولذلك ينبغي إجراء إصلاحات»، كنت أجيب أيضاً: «نعم». ففي الحالتين معاً ثمة شيء من الحقيقة. وأحياناً كنت أجد صيغة تركيبية. فعلى سبيل المثال، عندما بلغت الثامنة عشرة من عمري، انضممتُ إلى حزب صغير كان يناضل في الوقت نفسه ضد الفاشية وضد الشيوعية الستالينية. وقد بدا لي الأمر مقبولاً. وعلاوةً على ذلك، كنا نفكر أنه يجب تجديد الديمقراطية. في بعض اللحظات، كان لي إحساس بالتركيب بين الاتجاهين، ولكن عندما اندلعت الحرب، انهار كل شيء، فلم يعد ثمة مثل هذا «الطريق الثالث». عندئذٍ أصبحت أكثر راديكالية، وكبتُّ في داخلي أشياء كثيرة، وصرتُ شيوعيّاً. لقد امتلكت حساسية كبيرة تجاه الرسائل التي تحملها الأحداث، وأعتقد أيضاً أنني اكتسبت، في ما بعد، قدرة على مقاومة ما يمكن تسميته بـ«الهستيريا السياسية»، الحركات الجماعية.
* لقد قلتَ ذلك مثلاً بشأن هيدغر: فلم ترغب إطلاقًا في وصمه رغم انخراطه.
– تماماً. لم أنسق وراء التابوهات والأحكام الواصمة.
*يمتدّ مفهوم التعقيد عبر مجمل أعمالك، سواء في المجال التاريخي، أو في المجال النظري. لقد ابتكرتَ نوعاً من التخصص الذي يعيد النظر في الطريقة التي يتعقّد بها العلم. فمختلف حلقات المعرفة العلمية تتصارع في ما بينها، وغالباً ما تمنح تناقضاتٍ مثمرة.
– بمجرّد أن نتأمل قليلاً في العلم، ولستُ الوحيد الذي فعل ذلك، ندرك أنه أكثر قابلية للتغير من اللاهوت نفسه. فمعظم النظريات الكبرى التي سادت في القرن التاسع عشر اختفت، ولم يبق منها سوى اثنتين. ومع ذلك ظلّت هناك قوة هائلة للنزعة الدوغمائية، التي كانت تعتقد بإمكان اختزال كل شيء إلى عناصره الأساسية، والقول إن الحتمية هي كونية. لقد تغيّرت دراسة سلوك الحيوانات بفضل تجارب أظهرت أن الوصف المتأني أكثر خصوبة من السعي إلى فرض قانون في حصر موضوع علمي داخل حدود مغلقة. فحين نفكّر في المعارف مجتمعةً، يتبيّن لنا أن كل شيء مرتبط ببعضه بعضا. لكن المؤسف أننا ما زلنا نلاحق أسطورة «التوحيد الشامل»، في حين أن خاصية الكون هي أنه لا يمكن اختزاله إلى كلمة رئيسية.
*ومع ذلك، حين شرعت في كتابة «المنهج»، انطلقتَ من تخصص محدد هو علم الاجتماع، خاصة بعد عملك الميداني الطويل في قرية بلوزيفيه.
– تكويني بدأ بإجازة في التاريخ والجغرافيا، ثم إجازة في القانون. كما تابعت دروساً في الفلسفة، وكانت لي ثقافة معتبرة في الرواية والشعر والأدب. وبالطبع، أثار علم الاجتماع اهتمامي، لكن التاريخ أكثر من أسهم في تكويني. التحقت بالمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) ضمن شعبة علم الاجتماع، لكن ذلك لم يكن سوى جزء من مسعاي الأنثروبولوجي، إذا شئت القول. فأنا أعتبر نفسي عالِمَ إنسان (Humanologue)، يهتم بمعرفة الإنسان في أبعاده الثلاثة: الفرد والمجتمع والنوع، وكذلك بمعرفة المعرفة نفسها. وردت علي التجربة من الشيوعية، فقد تساءلت: كيف لواحدٍ مثلي يدعي بأنه ذكي، ويملك كل عناصر المعرفة، أنه يمكنه أن يكبتها ويختلق الذرائع لتبرير أمرٍ مثل الشيوعية الستالينية، التي كانت في نهاية المطاف أشبه بِـدِينٍ؟ كنت غارقاً في وهمي إلى درجة أنني لم أعد أراه مجرد مشكلة شخصية، بل اعتبرته مشكلة حياتية عامة تطرح نفسها على الجميع.
* رؤيتك للعلوم تأخذ بعين الاعتبار أزمة الأسس، فالعلوم المعاصرة أصبحت، في الواقع، تخترقها أسئلة فلسفية.
– بالفعل، إن أزمات الأسس التي تمسّ الكون والمجتمع والمعرفة مترابطة في ما بينها، وعلينا أن نتعامل مع غنى هذا التعقيد.
*تُكنّ تقديراً كبيراً لهيراقليطس، بقدر ما تطبق عقلاً يفسح المجال للتناقضات.
– يجبرنا التاريخ أن نجمع بين ماركس وشكسبير. مفهوم الهوبريس (Hubris) لا يظهر فقط لدى أصحاب جنون العظمة، بل إنه دفع مجتمعنا الغربي نحو الهيمنة المطلقة. لا يمكننا أن نضع الجنون في تعارض مع العقل؛ فبينهما تقاطعات مدهشة. وقد بيّنت مدرسة فرانكفورت بوضوح كيف يمكن للعقلنة أن تنزلق إلى أشكال من الهذيان. لهذا السبب يبدو لي مُهمّاً أن نتعلم ربط الأفكار التي تبدو متعارضة. فالإنسان العاقل(Homo sapiens) هو في الوقت نفسه الإنسان المجنون أو المنفعل (Homo demens) ، ومن مهام الفكر أن يكشف إمكانية التكامل بين المُتضادّات. ورثتُ ذلك من هيغل، لكن قمتُ بتعديله. فنحن نتغذى من التناقضات ونحيا بها، وهي لا تُحَلّ دائماً بالديالكتيك. وورثته كذلك من باسكال، الذي هو عندي الأنثروبولوجي الوحيد الذي أدرك بعمق أن الكائن البشري نسيج من المتناقضات؛ وهو ما نجده أيضاً في الأدب.
*مَفْهومك للتعقيد يُستَخدم كثيراً في الدراسات الأدبية. هل كنتَ تفترض ذلك في مجالات أخرى؟
-الرواية معقّدة، والأدب معقّد؛ ولهذا السبب يحتاج المتخصصون فيه إلى مفهوم التعقيد. غير أنه من خواصّ التخصصات أن يحدث قطع الخيوط التي تربطها ببعضها بعضا، ولذلك غالباً ما يُحجَب التعقيد. عدا علم مثل الإيكولوجيا، الذي ندرك أنه لا يستطيع أن يتقدم إلا مع غيره. وهذا بالذات ما لم ينجح فيه بعدُ داخل الجامعة.
*من المؤسف أن نرى إلى أي حد ما تزال الجامعة أسيرة لهذه التقسيمات التخصصية. فكيف أن كتبك تترك أثراً اجتماعيّاً حقيقيّاً، ومع ذلك تظلّ الجامعة مرتهنة بهذه التقسيمات.
– الجامعة الحديثة لم تظهر إلا بعد الزلزال التاريخي الذي أحدثته الثورة الفرنسية وفكر الأنوار. في بروسيا، قام ويلهلم فون هومبولدت بمطاردة اللاهوت في الجامعة، وأنشأ التخصصات. والنموذج السائد اليوم هو نموذج اصطناعي بقدر ما هو ثيولوجي، ولتغييره نحن بحاجة، على الأقل، إلى ثورة ذهنية. يضاف إلى ذلك أن الإدارة لا تزداد مع الأيام إلا تباطؤاً. لقد كان رولان بارت، في أواخر حياته، قد تخلّى عن السيميولوجيا المجردة واتجه نحو الأدب الملموس، نحو متعة النص. وليس ثمة من الأمور الأكثر تعقيداً مثل الرواية. وكما أوضح ميلان كونديرا بعمق، فالأدب هو المرصد الوحيد الذي يمكن من خلاله مراقبة الشرط الإنساني في جميع مظاهره. عندما أكتب، حتى عندما كنت أكتب «المنهج»، فإنني ألعب بالكلمات، وأشعر في أعماقي بأنني كاتب.
*الطلاق بين العلوم والفلسفة ظاهرة حديثة نسبياً، فجميع الفلاسفة الكبار كانوا يمتلكون ثقافة علمية حقيقية، واستمر ذلك إلى هوسرل على الأقل. وبين ظهرانينا فيزيائيون لا يعرفون أعمال غاليلي، كما أن عدداً كبيراً من الفلاسفة لا يعرفون علوم عصرهم.
– نشهد في أيامنا إفقاراً للثقافة العلمية وللإنسانيّات. ويمثل كلٌّ من جاك مونوJacques Monod وفرانسوا جاكوبFrançois Jacob استثناءً. ولأمرٌ حاسم أن تُحفظ الانعكاسية (réflexivité) . فكروا في كارك بوبر، وغاستون باشلار، وتوماس كون، وجيرالد هولتون.. فالمتخصصون في العلوم عليهم أن يتأملوا في العلوم بما يكفي بديلاً عن الناس أنفسهم. أنا لست ضد التخصص، بل على العكس، إذا كنت أصف نفسي بأنني عابرٌ للتخصصات، فلأنني أحتاج إلى التخصصات، لكن التخصصات التي تكون في حالة تواصل حتى تتمكن من معالجة المشكلات الكبرى. وإلا فلن نحصل إلا على تقارير خبراء، وكثيراً ما يحبس الخبراء أنفسهم داخل مكاتبهم التقنية.
*منحت السريالية الحب مكانة رفيعة. واليوم يبدو أن هذه الحركة الكبرى المعترف بها في كل مكان، قد باتت مجهولة في الوقت نفسه. في ثمانينيات القرن الماضي كان لديك مشروع إنشاء «قصر للسريالية».
– بالنسبة لي، تمثل السريالية أهمية كبرى لأنها أعلنت أن الشعر يجب أن يُعاش. وكان جان شوستر، القريب من أندري بريتون، قد اقترح فكرة «قصر للسريالية»، لا بوصفه متحفاً، بل فضاءً حيّاً. كما كانت إليسا أرملة بريتون مستعدة للتبرع بكثير من الوثائق والمقتنيات. وعندما عرضتُ الفكرة على فرانسوا ميتران لم يُبدِ حماسة كبيرة تجاهها، فالسريالية لم تكن في ثقافته. وقد بذلت جهوداً كبيرة في الأمر بمساعدة الشاعر ميشيل ديغي، لكن الفكرة لن تموت بالضرورة.
عبد اللطيف الوراري


لا تعليق