عبد اللطيف الوراري

السيرة الذاتية نوع مرجعي، ولكن هذا لا يعني أنها تأتي خِلْوًا من التخييل، بل قبل ذلك ما هي متطلبات المرجع في الخطاب السيرذاتي؟
مُنحت في تعريف فيليب لوجون للسيرة الذاتية أهمية كبرى للميثاق السيرذاتي، الذي يفترض أن يكون بين المؤلف وقارئه: ففي حال ما إذا أدمج المؤلّف معلوماتٍ سيرية حقيقيّة فإنّ ذلك ليس يكفي، بل ينبغي أن يحصل هناك اتّفاقٌ أو تعاقدٌ مُسْبقًا بينه وبين القارئ؛ بحيث يلتزم الأول بأن لا يقول إلا الحقيقة ويكون مؤتمنًا في ما يخصّ حياته. في مقابل ذلك، يُقرّ القارئ بأن يمنحه ثقته. هذا ما يُميّز بوضوح السيرة الذاتية عن السيرة، وعن الرواية السيرذاتية تحديدًا، وبالتالي يفرض تحديدات صارمة يتأسس عليها هذا النوع. فالعمل لا يكون سيرةً ذاتيّةً إلّا عندما يكون هناك تطابقٌ بين المؤلّف والسارد والشخصية، وكلّ سيرة ذاتية حقيقية تسعى إلى تأكيد هذا التطابق الذي يُمثّل أُسّ الميثاق السيرذاتي والمعيار الوحيد الذي يسمح بتمييز السيرة الذاتية عن غيرها. فهذا الالتزام بمبدأ التطابق الذي يتمُّ بين السارد والشخصية، كما يُحيل في نهاية المطاف إلى اسم المؤلّف على الغلاف، إنما يتنامى من خلال المؤشرات الخارجية، أو الموازيات النصّية بتعبير جيرار جنيت، التي تخبر القارئ أفضل من غيرها بهويّة النوع وتوجه تلقّيه، سواء داخل النص، أو في التقديم، أو على ظهر الغلاف من طرف ناشره.

الوعد بالصِّدق
إن السيرة الذاتية، مثلها مثل السيرة نفسها، هي نصٌّ مرجعيّ، لكن هدفها ليس «أثر الواقع» كما في الرواية، بل الحقيقة. فهي تُقدّم معلوماتٍ يمكن أن تخضع لاختبار صدقيّتها على أساس «الميثاق المرجعي». صحيحٌ أنّه من النادر أن نجد مؤلّفًا قد أقسم بأغلظ الأيمان ألّا يقول إلا الحقيقة، ومع ذلك يلتزم بأن يقدّم الحقيقة مثلما تظهر له عيانًا، أو مثلما يعرفها، ومن المفترض أنّ «ما يحكيه عن ذاته ينبغي أن يكون حقيقيًّا» ضمن عقد يمكن نعته بـ«الأخلاقي»، وهو ما يسميه فيليب لوجون «التصريح بالقصد السيرذاتي». لكن ذلك لا يقطع مع ما تواجهه الذاكرة من سهو ونسيان وغير ذلك.
يريد المؤلِّف، وهو ذات النص وموضوعه، أن يكون صادقًا مع نفسه وبينه وبين قارئه، وأن يحكي ذكرياته كما عاشها، أي يعيد إنتاج الحقيقة مثلما عاشها، والعالمَ وفق رؤيته. إنّه «الشخص الحقيقي= une personne réelle » الذي استبدل به فيليب لوجون عبارة «أحدهم= quelqu’ un» في صياغة التعريف الأول، على نحوٍ يرسي السيرة الذاتية في الواقع مثلما يثبت طبيعتها المرجعية: الشخص الحقيقي يُدخل – هنا- بعدين هامّين في الميثاق السيرذاتي؛ يجب أن يكون الكائن الإنساني قائمًا بوصفه شخصًا نفسيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا، وربّما دينيًّا وسياسيًّا؛ ومن جهة أخرى، يصير مبدأ السيرة الذاتية نفسه هو مبدأ الحقيقي Réel للانزياح عن المفهوم الفرويدي للرغبة الذي يتوافق والرواية أو التخييل الذاتي بشكل أفضل. فهذا التشبُّث بـ«الحقيقي» يعزز الطابع المرجعي للسيرة الذاتية، مثلما يفترض من صاحبها أن يتحمل وحده ما يقوله ويتحمّل الصدق فيه، بقدر ما يتحمّل مسؤولية تلفُّظه عند وضع اسمه على ظهر غلاف الكتاب، باعتباره كائنًا إنسانيًّا.
مفهوم الصدق مُهمٌّ للغاية لأنّه يقع في صلب المسعى السيرذاتي، لكنه قد يتحول إلى ما يشبه «الصّدْقَ المستحيل» إذ يستفيد من جميع أدوات التخييل الاعتيادية. فمن غير البديهي ألبتّة أن يحكي المؤلف عن نفسه من غير أن يعيد اكتشافها، ومن غير أن تكون لديه الرغبة في أن يروي حياته على القارئ الذي يمكنه، في أحسن الأحوال، من فهم حياته الداخلية، ومن ثمة يمنح لعناصر مبعثرة من مسار حياته التي لم تكتمل بعد، معنىً وانسجامًا. يتحول الميثاق السيرذاتي إلى «وعد بالصدق». فمن جهة، يصعب على السيرة الذاتية أن تبلغ الحقيقة الموضوعية بالتمثيل الدقيق للحياة «كما كانت»، ثم بسبب الطبيعة الذاتية لخطابها، بحيث لا يمكن للنص السيرذاتي إطلاقًا أن يصير مرآةً بسيطة للماضي.
كثيرون من منظري السيرة الذاتية ودارسيها؛ مثل جورج غوسدورف وجان ستاروبنسكي وجيمس أولني، تساءلوا عن فرضية الصدق التي طرحها فيليب لوجون، ووجدوا أن الميثاق السيرذاتي يشكّل بالأحرى (إعادة) بناء الأنا انطلاقًا من الذاكرة، وبالتالي فإن القول بأنّ السيرة الذاتية تُشكّل تمثيلًا دقيقًا وأصيلًا لحياة المؤلف يكشف عن كونه وَهْمًا. من هنا، يبدو الطابع الاسترجاعي للسيرة الذاتية بديهيًّا: يستعيد المؤلف ماضيه، ومع هذه الواقعة الواضحة، ينكشف استرجاع وجوده كاملًا عن كونه وَهْمًا: بين زمن الكتابة وزمن التاريخ علاقة ما فتئت تتغيّر. وأثناء الكتابة، تستمرّ الحياة. ولذلك فإنّ نظرة صاحب السيرة الذاتية وهي تتجه نحو ماضي حياته، تفرض الماضي بوصفه زمنًا مُهَيْمنًا على حكيه، ولا يتردّد في أن يتدخّل فيه مباشرة، مُناوِبًا بين التاريخ والخطاب، الماضي والحاضر، الصمت والكتابة. إنه ليس مجبرًا قطّ على إعادة تذكُّر الوقائع الماضية، لأنّه بوسعه، عبر إدماج أفكار معاصرة في الكتابة، أن يبرز التوتُّر بين الماضي والحاضر الذي سيظلّ غير مدرك حِسّيًا. وبالتالي يصير الفعل السيرذاتي، عبر نشاطه التذكُّري، خزانة الذكريات والمكان الذي يُعاد من خلاله التفكير في الماضي وابتكاره باستمرار. فالهدف الرئيسي من هذه العودة إلى الوراء التي تلازم كل عمل سيرذاتي، إنّما هو الذهاب نحو غير المَقُول من أجل تحرير معنى الحياة.

الوهم المرجعي
فالسيرة الذاتية، إذن، تتموضع بين الحقيقة التاريخية والإبداع التخييلي، وعليه يستحيل وضع أيّ تعريفٍ وصفيٍّ لها، أو وضع أي قيود عامة عليها إطلاقًا. وإذا كانت الحقيقة السيرذاتية تكشف عن كونها وَهْمًا، فإنّ للذاكرة دورًا مُهمًّا في السيرة الذاتية، وفي الروابط الضيقة والمركبة والمتبدلة التي غالبًا ما تنبني بين الذاكرة والـحياة المستعادة أثناء الكتابة، أي «لن تعود الذاكرة بمثابة حضن للذكريات، بل عنصرًا فعّالًا في تقديمها» كما يقول عبد القادر الشاوي.
فالوهم المرجعي الذي تنتجه السيرة الذاتية لا يجب، مع ذلك، أن يُخفي عنّا حمولة التخييل المتضمَّنة فيه، إذ لا يمكن للمؤلِّف أن يأخذ بالاعتبار حياته كما جرت. إنّه يصنع منها حَكْيًا، بمعنى أنّه يُكيّف هذه الحياة مع الإكراهات المرتبطة بالشكل السردي، أي يعيد تشييد حياته حتى يكتبها. وفي هذا الصدد، هناك بعض كُتّاب السيرة الذاتية من سعى إلى إعادة تنظيم ماضيه على ضوء ذاته الراهنة، وآخرون غيرهم أرادوا أن يُرمّموا ماضيهم مثلما عاشوه ونهضوا بسرده. وهذا ما يقودنا إلى الحديث عن مقتضى الكتابة السيرذاتية الذي يستعمل الكتابة وسيلةً لتمثيل الحياة كما عاشتها الذات التي تكتبها. إنه أمرٌ بديهيٌّ من وجهة نظرية، لكنّه يستتبع مشكلات إبستيمولوجية تُثار أثناء ممارسة الكتابة، وتكشف خصوصيتها والفرق بينها وبين الأنواع القريبة منها.
فخلافًا للسيرة، تسمح السيرة الذاتية لمؤلِّفها ليس بتمثيل الأحداث الهامة والعامة التي عَيّنت وجوده في الغالب فحسب، بل كذلك الأفكار والمشاعر التي صاحبت هذه الأحداث. وهكذا فأغلب السير الذاتية تثيرها الرغبة في تبديد سوء الفهم وإعادة تشييد الحقيقة التي مثّلتْها بكيفية غير مكتملة وشائهة، مثلما تثيرها الرغبة في تبرير بعض الوقائع والمواقف. وبالقياس إلى الرواية التي تعتمد ميثاقًا تخييليًّا، تخلق السيرة الذاتية ٱنطباعًا لدى القارئ بأنّها تتعهد بقول الحقيقة وبأنّ ما يتلقّاه مطابقٌ للواقع. ولكن هذه السيرة – مع ذلك- تعمل على التدليس التلفُّظي، على التناوب الحُرّ للغاية بين أزمنة القصة وأزمنة الخطاب، تبعًا للجدلية التي تختصُّ بها: لا يكتفي السارد بمجرد سرد أحداث حياته الماضية، لكنَّهُ يلقي عليها نظرة نقدية؛ يحكم عليها ويُسوِّغها على ضوء معرفته الراهنة، فيما هو يحاول أن يقيم علاقات السببية والتدرُّج بين تجسدنات الأنا المتعاقبة، حتى يُظهر وحدة تفرُّده مع ما يرافق ذلك من ذوبان الحدث في الزمن. وإذا كانت المذكرات تولي الأهمية للأحداث التاريخية التي عايشها المؤلف إخبارًا عما حدث وعما شاهده وسمع به، فإن موضوع الخطاب السيرذاتي فرديٌّ في حدّ ذاته، بما هو إخبارٌ عن الأحوال التي كان عليها. قد يتداخلان، لكن «المشروع الرئيس للمؤلِّف» هو الذي يحسم الفرق بينهما. وقِسْ على ذلك اليوميات التي تأتي في الغالب لترسم نَوْعًا من البورتريه أو الرسم الذاتي، فيما المعرفة بالنفس هي التي تسمح للمؤلف بأن يكتب سيرته الذاتية، مُرتِّبًا إياها على القصد. وفي علاقتها بالتخييل الذاتي، لا سيما في ما يخص الهوية السردية، يتوجّه كاتب السيرة الذاتية، وهو يبحث عن وضوح الهوية الدائمة، نحو ماضيه ويربطه بالأحداث، وقد يعيد خلقه عند الاقتضاء؛ أي يحرِّره بشكل استرجاعي ما به يتمُّ المعنى ويخلق الانسجام الذي لا يتضمنه الحاضر. إنّه يرفع الحجاب عن رواية حياته، بدون أن ينخدع بالحقيقة. في المقابل، ينكتب التخييل الذاتي في الحاضر. في قلب السيرة الذاتية، تُدرك الهويّةُ كموضوع مفقود ينبغي العثور عليه مرة أخرى.

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *