كتاب نقدي  يدرس ما يعنيه المعنى في أمهات المعاجم العربية، ويبحث علاقة المعنى بالعلامة من خلال رؤى ومنظورات متنوعة، فلسفية وبلاغية ولغوية وتأويلية، قديمة وحديثة. مثلما ينشغل الشاعر، الذي سبق أن أصدر ثلاث مجموعات شعرية، ببحث مشكلات المعنى في الشعرية العربية، وهي تتأمل أوعاء النص الشعري العربي قديمه وحديثه، مؤكّداً أنّه إذا كانت الشعرية القديمة، في كشوفاتها والتماعاتها، ربطت المعنى بالبيان ووضوح القصد ومزية التأثير، فإن الشعرية الحديثة قد خرقت حجاب البيان، ووقفت على الإشكالات المعرفية والكتابية، التي فجرها الشعر الحديث والمعاصر تلقّياً وتأويلا. من هنا، تتمّ مقاربته للمعنى داخل علاقاته المحايثة والمتحولة بدوال النص الشعري، من مثل الإيقاع والتناص، واللغة، وإنتاج الدلالة، وبناء الذات وفضاء الكتابة، وذلك من خلال متن شعري معاصر ومتعدد المصادر، يخصب آفاق الدراسة وإشكاليتها، لكل من الشعراء محمود درويش، وقاسم حداد، وأدونيس، وسيف الرحبي، ومحمد بنطلحة، وحسن نجمي، ومحمد الصابر ونبيل منصر.

وينقسم الكتاب الذي فاز بجائزة النقد الأدبي من جوائز الشارقة للإبداع العربي عام 2009، إلى بابين كبيرين، يشتمل الباب الأول على مداخـل نظرية من قسمين: الأول بعنوان « في مفهوم المعنى وقضاياه »، والثاني بعنوان « درس المعنى في الشعرية العربية: من أسبقية المعنى إلى دلالية الخطاب ». أما الباب الثاني فيرصد تحولات المعنى في الشعر العربي عبر ثلاثة أقسام: سياسات القصيدة، وأجروميات بناء المعنى في الشعر العربي المعاصر، ثم تشكلات المعنى وبناء الذات في راهن الشعر المغربي.

نقرأ في مقدمة الكتاب:

     من الآكد أنّ شعرنا اليوم صار إشْكاليّاً وبعيد الغوْر أكثر من أيّ وَقْتٍ مضى، وله مَشْهدُ الاختلاف والمغايرة والتّعارض بِحُكْم أسئلة النصّ التي لا تنتهي، ومغامرة الرّؤى والاستعارات والمعاني الجديدة التي يسلكها شعراء العربيّة، مُجنَّحي الخيال وغير عابئين بزمن التلقّي ومُشْكلاته. وفي خضمّ ذلك، فإنّ الدراسات التي اهتمّت بموضوع الشّعر العربي الحديث والمعاصر ليست بالقليلة، والمناهج التي توسَّلت بها في التحليل والتّأويل مختلفة ومتعدّدة، والنتائج التي خرجت بها تتفاوت أهمّيتها من دارسٍ إلى آخر، لبعضها سُلْطةٌ تاريخيّةٌ، وللآخر سُلْطةٌ معرفيّةٌ وعلميّةٌ، ولبعضها – وهو كثيرٌ غير ذي بال- حالات الشّكْوى والحَجْب. وفي هذه الكَثْرة المتكثِّرة، يقفُ الباحث حائراً يؤرِّقه مشْروع بحثه، ومُسوِّغاته. لكن سؤال الشّعر كموضوعٍ واقعيّ يبقى لانهائيّاً، فيما النظريّة وتصنيفاتها نهائيّة. وعليه، لا تعدم ذات الباحث بما هي تاريخيّة فُسْحتها الرحيمة في تجديد علاقتها الخاصّة بسؤال الشّعر ومطالبه.

تُعْلن هذه الدّراسة عن نفسها بوصفها مُقْترحاً يتغيّا مقاربة المعنى في الشّعر العربي الحديث، بناءً على التحوُّلات التي زعزعت كثيراً من التصوُّرات التي ترسّخت في تاريخ تأمُّل شعرنا، وتلقّيه أيضاً. وإذ نعي ذلك، تذهب المقاربة إلى الانشغال بما هو أساسيٌّ، عبر إبدال مكان وِجْهتها في اجْتِراح الأدوات التي بها تتأمّل الموضوع وقضاياه النظريّة والنصّية داخل فضاءٍ له تسمية الشّعر باعتباره خطاباً خاصّاً وبالغَ النوعيّة من جهة، وباعتباره سؤال الثقافة العربية المسكون بالتاريخ، الثقافة والحساسيّات. وتتجاوب الدراسة الحالية مع دراسات الشعرية الحديثة التي أعادت بناء موضوعها حول الشّعر، وجدّدت النظر في قضاياه الفنّية والدلالية والمعرفيّة من مثل البناء النصّي، واللُّغة الشعرية، والتناصّ، والذّات، والإيقاع، وإنتاج الدلالة، والمتخيَّل الشعري، متجاوزة مأزق الدّراسات الوثوقيّة التي رهنت  » الشّعري » بـ »الأيديولوجي »، لكنّها تختلف عنها في تأويل موضوعها المزمع البحث فيه، تبعاً لإشْكاليّة مُحدّدة لها شكل مسارها في الذهاب ـ الإياب بين النظرية والنصّ.

يدفعنا الاستشكال إلى طرح مثل هذا النّوْع من الأسئلة:

كيف يدلّ المعنى؟ هل المعنى مُعْطى، أمْ يُبْنى بواسطة استراتيجيّات القراءة والتّأويل؟ وما الذي يجعل من معنىً ما دالّاًعلى المحافظة والبيان، وآخر دالّاً على اتحرُّر والغموض مثلاً؟ وعلى ضوء ذلك، نسأل ما هي أنماط إنتاج المعنى في الشعر العربي؟ وما هي اللُّعبة التي يظهر بها ويعمل عليها في متخيَّل القصيدة بأضلاعها البلّورية، ولا سيما الشعر الحديث والمعاصر كخطابٍ نوعيٍّ ومضاعف القيمة؟

وإذا كنّا نعمل وفق إشكاليّة ترى إلى المعنى وتُقارِبه من مكانٍ في القراءة يستفيد من منجز نظريّات النّقد الحديث، فإنّه ليس في وسعنا أن نُحدِّد، من الآن، مسار الإشكالية ومنعرجاتها في الأفق المحتمل الّذي تسلكه الدّراسة، لأنّ ذلك يبقى منْذوراً للتحوُّل مثل المعنى نفسه.

الطبعة: الأولى 2009

الناشر: دائرة الثقافة والإعلام ــ حكومة الشارقة

الحجم: 272 صفحة من القطع المتوسط

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *