عبد اللطيف الوراري

بدأ المنزع السيرذاتي داخل الشعر المغربي الحديث يبرز منذ عقد الثمانينيات من القرن الفائت، ابتداءً من عمل عبد الله راجع السيرذاتي في ديوانه «أيادٍ تسرق القمر» 1988، كما في ديوانه «وردة المتاريس». تشكل قصائد الديوان الأول في مجملها – مثلما يقول الشاعر نفسه- «سيرة ذاتية لرجل، هذا الرجل فيه شيء مني»، ويجسد الديوان الثاني الذي ظهر بعد موته ضمن الأعمال الكلملة التي نشرتها وزارة الثقافة في عام 2013 «محاولة المزج بين الشعر والسيرة ذاتية». تزامن هذا الإبدال مع ما كان يشهده الشعر المعاصر في المغرب كما المشرق، وهو يتخفّف من أحابيل الأيديولوجيا التي رانت عليه زمنًا ليس بالقصير تحت تأثير دعاوى الالتزام وارتدادات خطاب الهزيمة، بقدر ما أخذ يفسح المجال لصعودٍ مُستمرٍّ ولافتٍ لذات الشاعر، التي تتكلّم زمنها وحداثتها وتفرُّدها، وذلك أسوةً بما كان تشهده الفنون والآداب في العالم من إبدالات جديدة ضمن سياق ما بعد الحداثة.
عندما نعود إلى المتن الشعري الذي كُتِب خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نكتشف أن جزءًا غير يسير من شعراء المغرب كان واعيًا بالبعد السيرذاتي وبقيمته في تشييد ممارسته الشعرية، ويمكن أن نسمي أعمالًا شعرية اشتغل أصحابها على المكوّن السيرذاتي وارتفعوا بخواصّه النوعية منذ تلك الحقبة فصاعدًا، مما ترك أثره العميق على أجروميّات البنية الشعرية.
نتوقف – هنا- عند ثلاث مجاميع شعرية مغربية نزع أصحابها إلى السيرذاتي بوعي؛ وذلك من مكان منهجي يرى أنّ السيرة الذاتية عندما تدخل إلى العالم الشعري تصطبغ بروائحه وفسيفساء هيولاه، ويلحقها من دوالّه المخصوصة ما يُغيِّ فيها. ففي هذه المجاميع ضمن غيرها، تتأثر الرؤية الشعرية باستعمال «أنا» سيرذاتي مرتبط بالاسم الشخصي أو الرمزي للشاعر، وهو يتشكل كنسقٍ ناظمٍ لأصوات مُتشظّية، نلتقي به في أكثر من مكان. وبدلا من أن نتحدّث عن أنا مرجعي – واقعي، يمكن لنا أن نكشف عن أنا تخييلي- لاشخصي- مجازي يتوتّر في العلاقة بين طرفي الكتابة والمرجع، ويمكن أن يتلبس بالأنا الغنائي ويتجاوز ما هو فرديٌّ إلى ما هو جمعيّ. ذلك ما يدعونا إلى قراءة النص الشعري كـ «سيرة ذاتية للأنا التخييلي، الأنا المُتخيَّل»، فالأنا لا تُقال إلّا بإنطاق أنا آخر، والشعر نفسه حالة أخرى من اللغة، وحالة أخرى من الذّات في اللغة: حياة محلوم بها، ولا واعية، وسحرية.

في البحث عن السلالة
ظلّ مبارك وساط، في مجمل أعماله الشعرية، نازعًا إلى الحكاية ومنفتحًا على السرد يوظّفهما باستمرار، حتى داخل التقليد السريالي الذي عُرِف به وطوّره في تشييد قصيدته ومعمارها الجمالي. تَحوَّل هذا النُّزوع إلى خبرةٍ كتابيّةٍ يتّكئ عليها كما في ديوانه «رجلٌ يبتسم للعصافير»، إذ تستجيب لرغبة أناه في قول حكايته الشخصية؛ الحكاية التي يقولها الشعر بقدر ما يحجبها بأفانين الرمز والسحر عبر لعبة التخيُّل. ليس هيّنًا أو مسموحًا به أن نستخلص «سيرة ذاتية» للشاعر بملامح وعناصر سيرية واضحة، بالنظر إلى المناخ السريالي للعمل الشعري، وما يترتّب عليه من بناء ولغة خاصّيْن قد يشتطّان بكلّ تأويل. لكنّ السيرة موجودة، وضمنها تُؤرّخ أنا الشاعر لحياته الذاتية على نحو خاص.
يتكوّنُ العمل من قسمين كبيرين ومتراكبين، وكلٌّ منهما يحوي قصائد متعدّدة ومتباينة في الشكل والبناء. يحكي لنا الشاعر في القصيدة التي دشّنَ بها القسم الأول منهما، عن الطفل الذي كانه، مُستعيدًا حكاية الجَدّة التي «ترفو جوارب وذكريات»، كما حكاية الجَدّ الذي «جُنّ على ظهر ناقة» و«حلّتْ به لعنة السراب، فمضى ليتيه في الصحراء»، تاركًا خلفه بقايا بيتٍ قديم، وظلّ الطفل يحلم بعودة جَدّه منها. عدا أنّه تجلٍّ لاندهاش/ انشداه بالطبيعة في صفائها، يصير هذا الحلم بالنسبة للطفل ذريعةً للبحث عن آثار السلالة التي يمثّلها الجدّ البيولوجي، وحتى الشعري نفسه، مترسّمًا مأثور أقواله، ثُمّ سرعان ما يتشابك مع وقائع ومواقف ومصائر لم تزد الطفل إلّا شعورًا بالالتباس، سواء على درّاجةٍ يحقن عروقها بالنيكوتين، أو ماشيًا متسكّعًا حتى الفجر. من صفاء القرية التي حمل منها معجم البدايات وتشهّيها، إلى اختلاط المدينة التي شوّشت على وعيه بعد الهجرة إليها، وقذفت به في فضاءاتها، إمّا في بار مارسيل سيردان أو ملعب كرة، أمام السينما أو السوبرماركت، عند حانوت بائع الحلزون أو بائع الملابس القديمة، مأخوذًا بـ «مقاير مجهولة في معادلات الريح والليالي»، يعيش الشاعر في ذاته، وفي صميم هويّته حالة تحوُّل مستمرّة، إلى حدّ أن يستيقظ يومًا فيجد جسمه كلّه قد تكاثف في كريّات أعصاب (الكريّة هي أنا)، فتضيع هويّته.
إنّ حساسية البحث عن الجَدّ، واستعادة الهوية الضائعة بمثابة تحفيز للبناء الشعري الحكائي داخل العمل، وللذات أن تبرز صوتها وشخصيتها وهي تخترق الحُجُب والمسافات والأمكنة، وتتمرّد على الكليشيهات والأنماط الجاهزة، عملًا بنصائح الجَدّ الثائرة، في سياق تعبيري وكنائي يصل الحلم والذاكرة بالتخييل، وبالنتيجة يخلق نوعًا من الأسطرة الشخصية التي تلتحم فيها الذات السيرية الشعرية بالذات الكبرى الممثلة في الجَدّ/ الهوية، لا يوازيه إلّا رغبة الذات في قول آخرها المتعدّد. الحلم، الالتباس والتحوُّل، ذرائع متوالدة سمحت للذات بأن تكتب تاريخها شعريًّا، أن تُشعرِن سيرتها، منذ لحظة الهجرة نحو المدينة والاختلاط بعالمها، لكنّها بالقدر ذاته كانت تُبلبل أي ميثاقٍ أوتوبيوغرافي قارّ، إلا ما يمليه عليه الإمكان الشعري بلسانٍ سورياليٍّ.
في القسم الثاني، يستمرّ المنزع السيرذاتي للعمل، ولكن في سياق آخر من عمل الذّات يتعلّق بعالمها العاطفي والوجداني الذي تعمل على ترقيته أو تحريره. فمجمل قصائد هذا القسم هي بمثابة صياغة شعريّة لضَرْبٍ من «التربية العاطفية»، أي بناء علاقات عاطفيّة بين ذات الشاعر والنسوة اللائي تعرّف عليهنّ، ابتداءً من مارية الفتاة التي أحبّها وهو في السادسة عشرة، لكنّها لم تبادله عواطفه. لقد بقيتْ صورتها جرحًا في لا وعي الشاعر، لم يَشْفَ منه، لكن يسعى للانتقام منه عبر اللعب باللغة على الطريقة السوريالية.

فعل الغيريّة
ما معنى أن تبحث الذات، ذات الكتابة، هُويّتها من خلال لقائها بالآخر؟ كيف يتحول فعل الذات عبر نفي التشخْصُن إلى فعل غيريّة؟
يقول نور الدين الزويتني في مفتتح ديوانه «قلب الثلج»: «لسنا بحاجة إلى/ حكمة، إلى/ أحد./ تكفي نقطة مطر/ في سطر الأفق/ كي تكسر/ جام المعنى وتحيله شظايا». يُبطِّن المفتتح الشبيه بـ«مانيفستو شعريٍّ» معنى التهكُّم البودليري من المرجع الرومانسي، في اقتصاد لغويّ يائس من المرجعية التي لن تعوّض شرط الحرية بحالٍ (الجدران، السقوف). فلا ضفاف تُسوّر مغامرة الذات وفعلها الشعري إلا الـ«ضفاف يحرثها الخطر»، وهي الذات المحدثة، لا الكانطية، التي لا يد لأحدٍ عليها، ولا دليل. يصل النصّ الافتتاحي شذرات الذات بِذرّية ستيفان مالارميه، إذ يقطع مع الكلام الخطابي للشاعر فيما هو يترك المبادرة للكلمات لتختبر تجلّي ذاته، موقعها، لهجتها وقدرتها على القول شعريًّا في علاقتها بالآخر الذي يخفف من غلواء ضمير المتكلم ويعمل على إزاحته وتمويهه من جهة، وبذرّية تشارلز بوكوفسكي في علاقتها بأسلوب الكتابة الشذري الذي يضيع معناها فتظلُّ تبحث عنه –بلا نهاية- من تلفُّظ إلى آخر.
يُخالِلُ ضمير المتكلم ملفوظات حِسّية مبتهرة من جسد الشاعر، ترصد مآلات سيرته في الحُبّ والسفر والشِّعر والحياة. ويمكن أن يمثل «الأورفي The Orphean» أصداءً من تلك السيرة وهي تستعيد «عشرين عامًا» من زمن الذات وبدء كينونتها بالدهشة والرعشة والسؤال والبرحاء، لكن لن يكون هذا «الأورفي» إلا على شاكلة ما يرد في لوحات الرسم التجريدي حيث لم تعد الرؤية من عدمها تعني كثيرًا، .
لهذا لن يكون بوسعنا أن نتبيّن هُويّة الذات إلا في لا وحدتها، ولا تجانسها، أي في غيريّتها التي تتزوّج بالإنسان والحيوان، أو بهما معًا حيث يستحيل الندب إلى عواء على شاكلة ما يرد عند ألن غينسبرغ ويستوحيه أنا الشاعر برؤية أبوكاليبسية للتمثيل عن صوته الغاضب ومنظوره السوداوي للحياة. «ساعي البريد الأحدب»، و«عريف الخسارات»، الذي يبحث بين الأنقاض عن «وريثه الوهمي». في كل مرّةٍ يتجرّد الأنا من اسمه وينتحل اسمًا آخر، وهو ما يجعل من نفي الطابع الشخصي له شكلًا من ابتكار الهوية، التي يتردّد داخلها الآخر بوصفه «مرجعًا ذاتيّاً» لا يصادر فعل التحوّل: «من الآن/ سأنتحل اسمًا آخر/ كي لا يعرفني/ جمركي النشيد!/ سأمضغ حين أجوع/ زهور الغضب/ وورق الأوكاليبتوس.»
إنّ خاصية الشبيه أو السيمولاكر هي اللاتشابه: في عالم من المرايا والظلال، تسكن الذات آخرها وتفوّض أمرها إليه، بل تُفاوضه فيه؛ فلا يكون هذا الآخر إلا بمدى بُعد الذات عن نفسها. فما يحكم هذا العالم هو العود الأبدي الذي لا وجود فيه للشيء إلا في عودته خارج خطّية الزمان وتقدُّمه، كما يشير إلى ذلك جيل دولوز.
داخل الما بَيْن الذي تمتحنه ذات الكتابة؛ بين الداخل والخارج، والوهم والحقيقة، والحياة والموت، وبين الهنا والهناك، نكون بصدد سلسلة تحوّلٍ تنتج عنها تصاوير وأخيلة وغرائب شتى تقتات على «ميتافيزيقا الميراث والخلود»، وهو ما يزيح الأنا عن المركز وعن إحالات المرجع، وكأنما هو «شبح كاتب» يجعل من الانتقالات المفاجئة بين ضميري الخطاب ذريعة لكشف زيف العالم ونسقه القيمي وهو ينهار من الداخل. مثل هذه الكتابة «اللاشخصية» بسبب بعدها اللعبي والصدفوي، قد تعطي الانطباع للقارئ عن كونها فعلًا محض مجّاني، بيد أنها تقيم في العالم وتفرض منظورًا مغايرًا لفهمه وتأويله، بل تكمن قيمتها في أن تجعل من ارتطامات هذا العالم مشروعَ تأويل ذاتي لفعل الغيرية الذي يمكن أن يبدد، تحت أنواع الآخر، مجموع صور الاغتراب المرآوية التي يفصح عنها الأنا المتلفظ، اللاشخصي. فالفعل السيرذاتي هو في الصميم فعل غَيْريّة.

محكيّ العائلة
في ديوانه «كؤوس لا تشبه الهندسة»، يجسد عزيز أزغاي بعدًا آخر من السيرة التي تتعالق معها ذاته وتتأثّر بها طوال نصوصه التي مالت إلى القصر والتكثيف؛ وهو ما يمكن أن نسمّيه، اقتراضًا من الشاعر نفسه، بـ«كُنّاش العائلة»، بحيث يستعيد فيه شجرة النسب، النسب الجريح الذي تفشّت فيه أسباب الموت والعزلة ولعنة الجغرافيا. فجدّته، فاطمة، ماتت قبل أن يشبَّ حفدتها عن الطوق؛ وأبوه الذي مات كلُّ إخوته في عزلة الريف، هو «النزيل 47» المصاب بمرض السرطان، لكن ضحكته ووداعته لم تفارق مُحيّاه: «بِخُطاه الأقرب إلى مَنْجنيقٍ،/ بالأصابع المدسوسة/ في سُرّة العطب/ وبالجمل الناقصة/ يهبط الدُّرْج الغاصّ بالمجروحين». وفي جلبابها الكاكي، جنب الإسعاف، تنزوي زوجته خديجة، أمّ الشاعر. مع هذه «المقبرة العائلية»، لم تمنع أحياءها الباقين من التشبُّث بالحياة، ابتداءً من الأمّ، مولِّدة النساء التي كانت تباشرهم مثل الأزواج، وابنهم الذي ورث الليل والفلسفة، نجد يتوسّل لأبيه أن لا يموت، لأنّ هناك أمرًا ما «يستحقُّ أرق الملائكة».
في وسط «عائلة السرطان»، ينشأ الشاعر حادَّ المزاج ويُحذّر أصدقاءه من «طمأنينته النادرة»: «ريفيّ الأصل/ مزاجي حادّ/ وليس لي ما أخسره/ حواسّي مُسدَّسي الذي لا يُخطئ». فهو ينظر إلى العالم والأشياء التي تحيط به، والوقائع التي تجري حوله، بِلوذعية وسخريةٍ حينًا، وكسلٍ ولامبالاة حينًا آخر، وهو يقترب عقده الرابع: «قريبًا من الأربعين/ لا شيْءَ يهُمُّ/ الذي يهُمُّ هُوَ/ مزيدٌ من القهقهة/ وطولُ العمر للمُغفَّلين/ هذا كلُّ ما في الأمر/ على سبيل الحِمْية.»
هذه الحمية هي، في حدّ ذاتها، تمارين في العزلة للاستئناس بالحياة ونسيان الموت، بين «ملهى باليما» وطريق العودة إلى البيت والطابق الخامس، وأمّا خطوته فهي بيضاء: «لا تلتفت كثيرًا/ لستُ خلفك».
إنّها كتابة شذرية، استدعاءات مقطعية، مونتاج، بحث عن الحقيقة التي تتفلّت على الدوام، وهذا الشعر الذي يقول الأنا ويحجبه في آن. من ملفوظ إلى آخر، تتخلّى الذات عن مرجعيتها الواقعية، وعن وضعها المرجعي، ويصبح المرجع نفسه إشكالية داخل النصّ الشعري نفسه، حين تتجاوزه الذات، وكأنّ أنا الشاعر يريد أن تثبت أن حياته شيئًا آخر غير الذي عاشه، وذلك بِمجرّد أن ينقل محكيَّها الطفولي أو أثارًا من سيرته إلى فضاء الكتابة.

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *