ثورة ناعمة
ارتبط حضور المرأة وبروز كتابتها في الأدب العربي الحديث، بالوعي النسائي التحرري الذي كان يتطور على نحو دراماتيكي في سبيل حريتها وكرامتها وأخلاقيّات كتابتها، لأنه كان في مواجهة مباشرة مع نظام الهيمنة الذكورية ومؤسساته القارة. برز صوت المرأة عبر المِنصّات التي أُتيحت لها أو عملت على إظهارها من خلال جمعيات وأندية تقوم بأنشطة نوعية، حيث صار يُسمع، وصار بوسعه الإقامة في العالم واسترداد حقوقه الاعتبارية عبر توطين لغته النوعية والعابرة كنسق من العلامات إلى الفضاء العام، وإلى الفضاء الأدبي والشعري على نحو خاص. كان الأمر أشبه بثورة ناعمة لانتزاع الاعتراف بوجود المرأة، والإقرار بحضورها وحقوقها في تقرير مصيرها الإبداعي والإنساني، وقد دفعت ضريبة باهظة في سبيل ذلك، ومن أجل تشييد سياسات مجالها الحيوي في الكتابة ولحياة.
حكت لي الشاعرة مليكة العاصمي، وهي على طاولة الدرس في القسم الابتدائي، كيف أن قصيدة من ديوان « وحدي مع الأيام » للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، كان لها أثرٌ كبيرٌ في نفسها. كانت القصيدة وجدانية حزينة، لا تتحدث عن وضعية الاحتلال والنضال، ولا عن عاطفة الأنثى وجانبها الحميمي وحسب، بقدر ما كانت تفصح عن الهشاشة الإنسانية وعن الوحدة حيث الشاعرة تستغيث بالنار كي تمنح لجسمها، بل لروحها بعض الدفء. تصلح هذه الحكاية أن تكون عنوانًا لحالة إبداعية خاصة نشأت تحت طائلة الكبت، قبل تتولد الحاجة عندها بقوّةٍ إلى الحرية والبوح والتمرد.
فإلى وقت قريب، كان بالكاد أن تجد شاعرة أو اثنتين داخل المشهد الشعري المغربي، ولكن ما أن انتصف العقد الثمانيني أو دخلنا في التسعينيّات، حتى بدأنا نشهد إقبالاً من لدن النساء الشواعر على الإفضاء بتجاربهنّ ونشرها في كراريس ومجاميع تعاظم عددها في بدايات الألفية الجديدة التي أطلقت زخم الحرية والبوح والاعتراف، لاسيما داخل فضاء النشر الإلكتروني. وهكذا لا يخطئ المتتبع عنفوان هذه الحركة التي قادت إلى مرحلة شعرية جديدة لعلّ من أهم سماتها؛ تجذير البعد الأنثوي للقصيدة بخصائصها اللغوية ومقوماتها البلاغية والفنية، بما في ذلك النزوع نحو الذاتية والانهمام بالجسد بتفصيلاته وإيحاءاته المتنوعة. وهو ما أتاح للدارسين أن يتلمسوا نشوء خطاب شعري نسائي، يراهن بأنساقه وكيانه الذاتي على تحقيق جماليات مغايرة، بقدر ما يرفض تبعيته لسلطة الخطاب الذكوري – الفحولي، أو تقليده والانضواء تحته، بل يتحداه ويتمرد عليه.
ولم يكن متاحًا التعبير عن مثل هذه الجماليات لولا جيل التسعينيات نفسه؛ الجيل الذي انحاز إلى جماليات الكتابة وقيمة الذات فيها كضمير نصّي ومرجع تخييلي، متخفّفا من الهتاف الأيديولوجي الذي كان إلى عهد قريب ذا سطوة. ولهذا الجيل، برز الصوت الشعري النسائي تحت تأثير الشفافية العالية للذات ونزوعها الغنائي، أو الحالة الصوفية في اتساعها وتجريديتها، وأحيانا أخرى تحت تأثير الانهمام بالجسد، بوصفه بؤرة اشتهاء وتوق؛ فكان ذلك بمثابة «مانيفست أنثوي» يساير النزوع الفرداني للذات ويُحوّل مدلولاته النوعية إلى لسان حال عارم يقطع مع عهود الكفاف والتحرج، ويعلن عن نفسه بوصفه مشروع بحث عن معنى مفتقد أو انشداد إلى المطلق، أو بوصفه مجال رغبة وتحرر.

أمل الأخضر: وضوح الصوت
لا أدري إن كانت ثمة واقعة قادتني إلى كتابة الشعر، لكنني جُبلت على التعبير بشكل أو بآخر، بفضل علاقتي بالعزلة والصمت، منذ صغري. كدست في داخلي كلاما كبيرا. كان لا بد أن يخرج للوجود بشكل من الأشكال. لم أحشر نفسي في التجمعات ولا الحوارات العائلية، أتأمل الأشياء من حولي، وأدندن.. دندنة خافتة، خفيضة، أشبه بالغمغمة، وبالهذيان، مشوبة بحزن شفيف، وبفرح غامض من المشاعر. ثم جاءت بعد ذلك مرحلة القراءة، حيث كان لديّ شغف الاطلاع على كل ما هو سردي أساسا، وكان للنص العجائبي تأثيره الأول عليّ، لاسيما أنّ أبي – رحمه الله – كان يملك المتون السردية القديمة، بل كان حكّاءً ماهرا لبعض تلك المتون، مثل حكايات ألف ليلة وليلة، وسيف بن ذي يزن. هكذا كان السرد، بما تزخر به عوالمه من تعقيد وتوتر وإدهاش ورج قوي، هدنة مؤقتة وجسرا إلى كتابة الشعر.
صحيح أنّ جيل التسعينيات الشعري اعتنى بالبحث عن منابع جديدة للقول الشعري، وبالبحث عن إمكانات أخرى. وكانت المرأة المبدعة في صلب هذا الاهتمام، إذ يزخر المشهد الشعري الحديث بأسماء إبداعية مهمة، استطاعت إغناء الأدب المغربي، وترسيخ بصمتها الخاصة بها؛ حيث ظهر الصوت الشعري النسوي أكثر وضوحا وتجليا، معبرا عن أحلامه وآماله وآلامه، مع اختلاف الأساليب والطرائق. أما بخصوص الانشغال بالجسد في رأيي، فلم يكن بؤرة اشتهاء وتوق فحسب، بل كان اشتغالا متباينا من وجهات نظر مختلفة، فهناك الشاعرة التي انطلقت من جسدها كجسد مفجوع جريح، وهناك الشاعرة التي تناولت الجسد كعاشق في لغة أكثر جرأة، وأكثر تجديدا، وكسرا للرتابة، وهناك الشاعرة التي انشغلت بعالم التصوف بحثا عن التحرر الروحي والتماهي مع المطلق، مثلما أن هناك الشاعرة الهائمة بتفاصيل الأشياء الصغيرة من حولها، في غياب تام للجسد الأنثوي، في محاولة منها للانخراط في ما هو إنساني وحسب.

فاطمة الميموني: ازدياد الوعي السياسي
لم يكن فعل الكتابة صادرا عن وعي جمالي بقضايا الشعر، إلا ما درسناه في المرحلة الثانوية من مفاهيم لا ترقى إلى توجيه الشاعر، وقد تميزت هذه المرحلة بتعاطٍ نهِمٍ لقراءة الشعر، على الرغم من ندرة الدواوين التي كنت أستعيرها من بعض أساتذتي، وحتى أتمكن من قراءتها بين الفينة والأخرى كنت أقوم بنسخها: دواوين لبدر شاكر السياب، وعبد المعطي حجازي، وعبد الوهاب البياتي، وأمل دنقل، وبعض الشعراء المغاربة وأخص بالذكر محمد الصباغ. كانت كتاباتي الشعرية، في هذه الفترة، تعرف تدفقا كبيرا، ولكنها لم تكن نابعة من رؤيا إبداعية واضحة. أعتقد أن ذلك يرجع إلى المرحلة العمرية التي تتميز بالحماس والتطلع إلى إثبات الذات.
في مرحلة التسعينيات برزت أسماء شعرية نسائية بقوة، مقارنة بما عرفته خريطة الشعر النسائي المغربي قبل تلك الفترة؛ ستمثل نقطة تحول كمي في عدد الإصدارات، حيث بلغ عدد الدواوين سبعة وثلاثين (37) ديوانا. ولم يكن تحولا على مستوى الكم فقط، بل كذلك على مستوى الأساليب والأدوات الشعرية، التي تطرح أفقا جماليا يساهم في التأسيس لقصيدة النثر مع اختلاف كبير في الرؤى والمرجعيات والاختيارات الجمالية. وقد أغنى ذلك المنجز الشعري المغربي، وهيأت الظروف لظهور حساسية شعرية جديدة عانت من انعدام مواكبة نقدية موجهة ومؤطرة، ولكنها أثبتت حضورها من خلال ما صدر من دواوين، وما نشر في المجلات والصحف الوطنية. وقد يرتبط ذلك بما عرفه السياق الاجتماعي من تحولات مهمة، أصبحت معها المرأة المغربية، في تلك الفترة، ترتاد الجامعات بكثافة، وتشارك في العمل السياسي والمدني، ما رفع من مستوى وعيها، وجعلها قادرة على التحول من مجرد موضوع شعري إلى مشارك فعال في ترتيب أولويات الحياة العامة، حيث ولجت مجال السياسة، والصحافة، وتدبير المؤسسات الحية في المجتمع.

صباح الدبي: نداء الكتابة
قادني إلى سحر الشعر إحساسي برغبة حثيثة في الكشف عمَّا يجري في عوالم الداخل، وفي رسم صورة مأمولة لعالم الحلم الذي نتجاوز من خلاله انكساراتنا وأحزاننا، إنه العالم الملاذ الذي نشعر فيه بوجودنا الآخر عبر اللغة وما تمنحه من طاقة للكشف والخلق. أما سماعِي بهذه الكلمة السحر بعيدة الصدى في وجداني، فيعود إلى بداية قراءتي للنصوص الشعرية في المرحلة الإعدادية. ما زلت أذكر الأثر الكبير الذي كانت تتركه تلك الكلمات المنسابة بإيقاعها الرقراق في نفسي، بحيث كنت أنبهر بتلك اللوحات المرسومة بريشة اللغة، وأسمح لنفسي بتجريب هذا الرسم ولو بأدواتي البسيطة، لاسيما أن تلك المُحاولات على بساطتها كانت تمنحني فرحا خاصا، وكان ثناء أساتذتي حينها يُضاعِف هذا الفرح، فأستمر في المُحاولة وأنتشي حين يُصفِّق لي زملائي في الفصل. أما الوعي بمفهوم الكتابة وامتلاك أدواتها، فقد جاء بعد تدرج دراستي في فصول الجامعة، وما زال منذورا للبحث المُتواصل عن النصوص التي لم تُقل بعد.
لا شكَّ في أن الكتابة تولد من الإحساس المُرهف بالأشياء والأسماء وبما يتخلَّق في دواخلنا جراء تفاعل ذواتنا مع ما يحيط بها. لكنها فضلا عن ذلك، هي اشتغال ووعي خاص يتأتَّى من تراكم رصيدنا القرائي ومخزوننا الثقافي والمرجعي. فالمنحى الكتابي تفرضه أحوال التجربة، وأشكال التفاعل بين الذات ومُحيطها، وما يعتمل في الداخل من مشاعر مُتناقضة تفرضها علاقتنا بالعالم وبأنفسنا وبالآخرين، وتُوقدها أشكال تلقِّينا لهمومنا وانكساراتنا وأفراحنا وأحزاننا، كل ذلك يتشكَّل في سمتِه الكتابي الجديد الذي تخلقه اللغة وهي تعبر دواخلنا، وتنقل صوت الداخل وإيقاعاته التي تتماهى مع إيقاع النص. فكل هذا التشظِّي والانكسار والفرح والوجع واليومي ينصهر في أتون التجربة ويمنحني طاقة جديد لبناء العالم الحلم أو العالم الملاذ الذي يُرمم الصدع ويجبُر الكسر، ويهدهد الروح، وأحيانا يتلبَّس هذا العالم المحلوم به الصدع والانكسار نفسه وتتبدَّى من خلاله قتامة ما نحياه في واقعنا المرير. ولذلك يصبح هذا العالم البديل/الحلم ملاذا وخلاصا حينا، وحينا آخر يكشف عن الوجه المرير لما يحيط بنا من إحباطات ويصيبنا من تصدُّعات. وعلى العموم تمنحني هذه التجربة بوصفي أنثى لها آمالها وأحلامها، ولها أفراحها وانكساراتها وأوجاعها، طاقة للمقاومة عبر القول الشعري، من خلال التوق لتشييد عالم حلمي بديل تمنحه اللغة في أبهى تجلياتها، ويسكبه الإيقاع وهو ينبجس من الداخل. يحدث كل ذلك وأكثر لإسماع صوت الأنثى القابع في داخلي والنابع من عمق إحساسها بوجودها في هذا العالم.

إيمان الخطابي: الحاجة لعزاء ما
لم يكن الشعر بعيدا عني في أي لحظة من لحظات إدراكي لوجودي في هذا العالم. لم تكن هناك مسافة بيني وبين الشعر حتى أذهب إليه؛ كان في روحي وبين جوانحي وحولي، وفي كل حركة وسكون محيط. احتجتُ بعض الوقت فقط كي أعيّن له اسما أو اصطلاحا يُسمّى به. ولعل هذا ما فعلته حين انتظمتُ في مقاعد الدراسة، وبدأتُ أخطُّ أولى محاولاتي في كتابة الشعر، ومحاكاة ما كنتُ أحفظهُ وأطالعهُ من قصائد وأناشيد ومقطوعات شعرية. كنت سريعة الحفظ والاستيعاب لقصائد الشعر العربي، المتضمنة في المنهج الدراسي، وخارج المنهج. تفاعلتُ دائما مع لغة الشعر، وألفيتها اللغة الأكثر دقة ونفاذا وعمقا؛ إنها اللغة التي تُحدث في داخلي تأثيرا وتغييرا، وتعبر عن أحوال نفسي، وعن وجودي باقتدار تام. كنت دائما طفلة حالمة، لكني كنت حزينة أيضا، وبحاجة لعزاء ما. وقد وجدت هذا العزاء في الشعر والكتب. لذلك خضتُ تجربة الكتابة والنشر في سن مبكرة، ودون وعي حقيقي بتبعات ذلك. كنتُ أحب أن أوصل صوتي، وأبُثَّ شكواي وهواجسي للآخرين، وهذا ما ظننتُ في مرحلة ما أن الشعر قد حقّقهُ لي وأنا في عمر السادسة عشرة، أو السابعة عشرة.
ولعل ما يميز فترة التسعينيات تحديدا هو صعود أسماء شعرية نسائية للواجهة؛ بعضهن كن مقترنات بمثقفين وكتاب فاعلين وصانعي المشهد الثقافي العام للبلاد، وبعضهن منتميات لأحزاب سياسية تعد الممارسة الثقافية جزءا أساسيا من وجودها وتأثيرها، بينما جاءت البقية من مشارب ثقافية واجتماعية مختلفة. في فترة ما، كان ينظر لهؤلاء الشاعرات على أنهن حلية للمنابر الإعلامية، والمجالس الثقافية؛ نوع من الانفتاح الاجتماعي والحضاري الشكلي لتوازن المشهد العام، ثم سيتضح في ما بعد، أن هؤلاء الكاتبات لا يرغبن في حضورٍ من هذا النوع. إن الكاتبة أو الشاعرة تحمل صوتا حقيقيا وخطابا فكريا وإنسانيا، تريده أن يصل. لا يسمح السياق هنا بالحديث عن خصائص هذا الخطاب الشعري وطبيعته وملامحه الموضوعية والفنية – إنْ سلمنا أنه فعلا خطاب شعري مختلف- لكنه في كل الأحوال شكّل خطابا شعريا موازيا وقرينا إبداعيا وفنيا في المتن الشعري والأدبي المغربي.

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *