عبد اللطيف الوراري

  يتزايد اليوم الاهتمامُ بأشكال الكتابة الذاتية في مجال العلوم الإنسانية، بسبب اتساع هامش الحريات والديمقراطية، أو بفضل التقدم التكنولوجي. ولا يعوزنا الحديث لتسمية العديد من هذه الأشكال التي أفاضت حبر «القارة المجهولة»؛ مثل: السير الذاتية، اليوميات، المراسلات الرسمية أو الخاصة، الاعترافات، المذكرات، الشهادات، التخييل الذاتي، القصيدة السيرذاتية، محكي السفر، قصص الحياة، وثائق المعيش، وغيرها من النصوص المكتوبة بضمير المتكلم المرجعي، التي تحمل على مراعاة احترام الشخص الإنساني وحقوقه الاعتبارية. فالكتابات الذاتية تخصُّ جميع محكيّات الحياة، إذ يمكن أن تتعلّق بحياة شخص واقعي (مؤلّف مثلا)، أو بحياة شخصية خيالية.
في هذا المنظور، يمكن أن نتحدّث عن الأنا الذي يكتب ليس بصفته الأنا الذي يقدّم نفسه للوجود؛ وبالنتيجة يحضر هذا الضرب من الكتابات بوصفها وسيطا تخييليا لتحقيق المفارقة بين ذات «المرجع الواقعي» وذات «الموضوع المحكي». وإذا هي تنحرف عن النموذج القاعدي للميثاق السيرذاتي، فإنها لا تتردّد في أن تقترض من أجناس الخطاب المتنوعة الشكلَ الأدبيَّ الذي يتطلّبه السارد الذاتي، ويوائم أفقه الكتابي ومصادره وموادّ بنائه، على نحوٍ يُزيحه عن الواقعي لصالح المتخيّل وصنوف شتى من الاستيهام والفنتازيا والكذب «الحقيقي». ومن هنا، صارت مثل هذه الكتابات تقدم نفسها بوصفها الوسيلة المثلى للإجابة عن أزمة الذات المعاصرة من جهة، ومن أجل تحليل الصعوبات التي تواجه الذات للتعبير عن نفسها داخل اللغة من جهة أخرى.
إلامَ يُرْجع صعود هذه الكتابات في خريطة الأدب العربي المعاصر؟ وكيف تساهم بدورها في إعادة تشكيل هوية هذا الأدب وإثراء حقوله الجديدة؟ وهل يمكن أن تؤثر في تحرير الذات كما المجتمع من قيوده المُحافِظة التي يغلب عليها التكتم والخوف من البوح؟

فاضل التميمي (العراق): الكشف عن أسئلة الحياة

تُعدّ كتابة الذات فرصة للذات وهي تعلن عن صورتها، متحرّرة من عشرات القيود من خلال الكتابة الخاصّة بالإفصاح عن تلك الذات، وهي ترى تاريخها وقد خرج من طيّ الكتمان ليصبح جزءا من وعي المتلقي. إنها محاولة واضحة للكتابة بوساطة المنجز اللساني، الذي تتّخذه الذات مادة للعرض والتلقي، أي محاولة توثيق تمظهراتها ضمن زمن معين ومكان، فهي عمليّة قصديّة تشتمل على إيراد خطاب محدّد ناتج عن وجود تفاعل تام بين سرد الذات، ونمط الحياة التي سبق أن عاشتها.
إنّ كتابة الذات تتمثّل بشكل دقيق في السيرة الذاتيّة التي تعدّ اليوم وجها من وجوه السرد المقصود تتراءى فيه تجارب الإنسان، سواء أباح من خلالها بتفاصيل حياته الدقيقة، أم تكتّم، فإنها في المحصّلة النهائية مواجهة الذات للذات في لحظة اكتشاف الإنسان أنّ ذاته الساردة تأخذ ذاته الواعية إلى جمال البوح، وشعريّة الاسترجاع. وإذا كان الأول همسا خفيّا، فإنّ الثاني يعطي دليلا على أنّ الذاتين تنهلان من مرجعيّة واحدة.
برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة الكتابة عن الذات بشكل لافت، وعندي أن السبب يعود إلى رغبة الأديب في الكشف عن أسئلة الحياة، التي فعلت فعلها في تجاربه الحياتيّة، فضلا عن أن النقد أسهم في بروز تلك الظاهرة حين اكتشف أن في متون السيرة ظواهر فنيّة، تمثلت في تداخل الأنواع الأدبيّة من شعر وقصّة وحوارات واسترجاعات، وأن نصوصها شحنت باليوميّات، والرسائل، والمذكرات، والشهادات، والاعترافات، والرسائل، وأدب الرحلات، والأمكنة، فضلا عن التداخل مع فنون التشكيل البصري، والفوتوغرافي حتى صار متنها (بانوراما) تقبل القراءات المتعدّدة. لقد أسهم شيوع الكتابة عن الذات في تحرر الذات نفسها، وانعكاس تجربتها في وعي الآخرين، وقد أدّى هذا في ما بعد إلى حضور المتلقي في جزئيات تلك الذات، وكأنها ذاته التي تريد الإفلات من محدّدات الحياة، وسجونها، وهذا ما دفع عشرات الأدباء، والفنانين، والمفكرين لأن يكتبوا ذواتهم في متون قد نختلف في تقييمها، ولكننا لن نختلف في أهميتها مهما كانت تجربة كاتبها.

سلوى السعداوي (تونس): هل كتابة السرّي – الحميميّ ممكنة؟

شهدنا في السنوات الأخيرة تراكما كبيرا في كتابات الذات الأدبية الكلاسيكية، وغير الأدبية المعاصرة، وبمختلف أنواعها المنفلتة من الحدود الأجناسية، إلى كتابة ذاتية موجزة، أو مطوّلة، ورقية أو إلكترونية رقمية، مكتوبة أو مرويّة في وسائل الإعلام البصري والسّمعي، وفي فضاء التواصل الاجتماعي الجامع بين المقروء لغويا والمُشَاهَد بصريا في فيديوهات مصاحبة. ونعتقد في مواصلة النّاس المشهورين وغير المشهورين في تقديم اعترافاتهم وشهاداتهم وشذرات من سير الطفولة والشباب والكهولة، في موضوعات مختلفة، ذاتيّة حميمية خاصة وفرديّة، أو موضوعية اجتماعية، ولكنّها وثيقة الصلة بهواجس كتابات الأنا المنعتقة من ضروب الأنانية والانكفاء الذاتي. إن أسئلة كتابة السرّي في سرديات الأنا تثير قضايا كثيرة تتعلق بالتردّد بين البوح والتكتم، أي الاعتراف والشهادة من جهة، وتزييف البوح والكذب من جهة ثانية. قد نجد شجاعة في بعض الكتابات للتحرّر من الرقيب الداخلي ومختلف أجهزة السُّلط اللغوية والاجتماعية والدينية والأخلاقية. وقد يتعلّل المؤلف بحجة التّخييل، أو الكذب الذي يُجمّل حياة لم تُعش فعلا. لقد أثبتت المحاكمات القضائيّة رفض سلطة القانون الكتابة الحميميّة السافرة، وكشف المغامرات الجنسيّة، وإن كان ذلك في فضاء التخييل، إذ لاحق القضاء مؤلّفي الروايات، ولم يفكّ الحصار الأخلاقي والقانوني، إلا عبر مرافعات جدّية حفظها تاريخ محاكمات الفعل الإبداعيّ في مختلف الثقافات. وقد يكون البوح كاذبا والشّهادة مزيّفة، والاعتراف موغلا في الإيهام بالحقيقة، فنذكر كيف تبجّح محمد الباردي في سيرة طفولته «حنّة» بمغامراته العشقيّة الأولى في التعرّف إلى أسرار الجسد مع أطفال الحيّ. وقد يكون البوح الكاذب ملتبسا بقراءات المؤلّف لمغامرات غيره الحقيقيّة أو المتخيّلة. لكن من المفارقات أن يكون الإنسان العادي أكثر شجاعة في اقتحام المسكوت عنه، وكشف المحظور، وفضح قضايا الاغتصاب وزنا المحارم، والأمراض الخطيرة المعدية في برامج تلفزيون الواقع الخاصّة بقصص الحياة. فكيف يقيّد الأدب/ التخييل حرّيةَ المؤلف في سروده الذاتيّة، في حين تتيح وسائل الإعلام للمعترفين اليوم، خارج الأدب ومؤسساته الأجناسية، حرّية كشف الأسرار الحميمية الخطيرة بكلّ جرأة؟ وكيف يستطيع المُسرّد ذاته البوح الحميميّ في عيادة المحلل النفسي، ولا يقدر على التحرّر من سلطة الأنا الأعلى في الكتابة النسائيّة الذاتية على سبيل المثال، إلاّ إذا استثنينا بعض التجارب النسائية المتحرّرة من قيود الرقيب الديني والأخلاقي والقضائي، غربا وشرقا، لأنّنا لاحظنا هذا الخوف حتى في الأعمال النسائية الغربية عندما تلتجئ المبدعة إلى الكتابة باسم مستعار أو باسم زوجها.
لكن قد تتحول كتابة السرّ إلى لعبة تستهوي المعترف، لأنّ حيل الاعتراف كثيرة، وأشكال المراوغات القولية عديدة، لا تتعلق بالخوف من سلطة الأنا الأعلى فحسب، وإنما تتعلق بملامح الذات المعترفة التي تُحوّل قصة البوح إلى سردية لعبيّة تثير في المتلقين مشاعر الرغبة في كشف المستور(حقيقة أو كذبا)، والتعاطف مع قصص حميمية والتمتّع بكيفيّات سرد الاعترافات، فيستحيل البوح صناعة قوليّة، وينوس المعترف بين التدفق السردي الاعترافي في موضوعات الثالوث المحرم، والتردد أحيانا في البوح، تشويقا أو تظاهرا بالخوف، كأنّه يملك قواعد اللعبة السردية في الواقع، في حياة البشر، أو في فضاء التّخييل؛ فيردّد مثل هذه العبارات: «أقول أو لا أقول؟»، «هل تريد كشف الحقيقة كاملة عن سرّ مرضي؟»، «هل تعدني بحفظ السرّ والتكتم»، إلخ. لكن هل ستبقى الحقيقة مخفيّة طويلا، ساكنة لاوعي الإنسان، أو المؤلّف السيرذاتي؟ وكيف نفسر هذه الأقنعة الكثيرة لصاحب البوح والشهادة؟ وهل يمكن أن نطمئن لسرديّة اعتراف ذات تشكو خللا في الذاكرة، أو ألما نفسيا مزمنا، أو عانت من أشكال الترهيب والعنف المادي والرمزي؟

مراد الخطيبي (المغرب): الكتابة باعتبارها نوعًا من التحرر

في البداية، يمكن القول إن كتابات الذات، أو الأنا في الأدب العربي المعاصر بدأت تنتقل حاليا من وضعية كانت فيها سجينة لحواجز، وقيود، واعتبارات ثقافية ودينية واجتماعية، إلى وضعية تتسم حاليا بتحول تدريجي في شتى التعبيرات الأدبية. ويترجم هذا التحول بشكل جلي بداية التحرر من القيود، ومحاولة تجريب فعل الكتابة بحرية أكبر، وبجرأة كانت إلى وقت قريب مفتقدة. ويعود هذا التحول، وهذا الانتقال الواضح في نظري، إلى عدة عوامل. كما أن لهذا التحول في خريطة الأدب العربي المعاصر انعكاسات بالغة الأهمية على هوية الأدب العربي، والمشهد الثقافي العربي بشكل عام. وينبغي في هذا السياق عدم إغفال بعض الكتابات السابقة، كما في الرواية مثلا، التي حاولت كتابة الذات من منظور ما بعد كولونيالي مثل «الذاكرة الموشومة» (1971) للكاتب عبد الكبير الخطيبي، بحيث تطرقت إلى إشكالية الهوية من خلال ممارسة نقد صارم على الذات كذات حاملة لموروث ثقافي، وديني، واجتماعي، إلى ذات في علاقتها الجدلية مع الآخر. ونكتشف اليوم أن المنصات الرقمية تعددت، وأن هامش الحرية اتسع كثيرا، حيث أملته ظروف سياسية محلية وإقليمية ودولية. وهذه الاعتبارات ساهمت في إضفاء نوع من الحرية على الكتابة الأدبية بشكل عام. فأصبح بإمكان الكُتّاب، أو حتى الذين لم تكن لهم علاقة بالكتابة الأدبية من قبل، أن يشاركوا قصصهم الشخصية وحكاياتهم ونصوصهم حول ذواتهم دون قيود تقليدية كانت تكبل من سبقوهم، مما أدى إلى انتشار عدة سرديات، وسير ذاتية في أدبنا العربي المعاصر.
بالنظر إلى الواقع المتسم بمزيد من الحرية والتحرر، لجأت عدة كاتبات عربيات بشكل متزايد إلى الكتابة عن الذات، وما يحمله هذا النوع من الكتابة من طَرْق مواضيع كانت تعتبر في الماضي تابوهات؛ مثل الجنس، والعلاقات العاطفية، والدين، ومواضيع تخص أنوثة المرأة بشكل عام. فالكتابة عن الذات في أدبنا العربي المعاصر صارت نوعا من التحدي؛ أي تحديا من أجل ممارسة فعل الكتابة عن التجارب الشخصية، دون خوف أو خجل، وباستقلالية، وتحرر من القيود الأبوية، والثقافية والمجتمعية. وهذا التحدي الملحوظ في الكتابة عن الذات في أدبنا المعاصر، يفسره تزايد الاهتمام بكتابة اليوميات، والمذكرات، وما يعرف بالسرديات الرقميات، والكتب الرحلية نفسها. وأغلب هذه الأجناس الأدبية كانت إما نادرة، أو غائبة في مشهدنا الأدبي العربي. بغض النظر عن أي توصيف للقيمة الفنية للمنجز الحالي، فإن هذا النوع من الكتابة لا شك يميط اللثام، وبجرأة كانت مفتقدة، عن مواضيع ثقافية، واجتماعية، وسياسية تحتاج إلى تفكيك، وإلى نقاش فكري، وسجال شفاف وموضوعي. وإذن، تمنح الكتابة عن الذات فرصة للكاتب من أجل البوح، وتقاسم حكاياته الشخصية، وآرائه، وانشغالاته مع عموم المتلقين.

إكرام البدوي (مصر): إعادة بناء الحس الجمعي

يمكن إرجاع صعود هذا النوع من الكتابات في خريطة الأدب العربي المعاصر إلى جملة من التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية، التي شهدتها المجتمعات العربية في العقود الأخيرة. فمع تزايد الوعي الفردي، وتنامي الحركات النسوية، وظهور وسائل إعلام جديدة تتيح مساحة أوسع للتعبير، نشأت حاجة ملحّة لتفكيك السرديات التقليدية، التي طالما هيمنت على الأدب العربي، وبرزت كتابات تُعنى بكشف المسكوت عنه، وتقديم الذات بوصفها فاعلا مركزيا لا تابعا. تُسهم هذه الكتابات في إعادة تشكيل هوية الأدب العربي من خلال كسر النمط الكلاسيكي، الذي حصر الأدب في فضاءات عامة ومجردة، حيث أصبحت الذات – بجوانبها المتعددة: الجسدية، النفسية، والروحية – محورا سرديا فاعلا. ولعل الجرأة في مقاربة موضوعات كالجسد، الجنس، السلطة، الذاكرة، والعنف الرمزي، تكشف عن تحوّل جوهري في بنية الخطاب الأدبي نحو الانخراط في مساءلة القيم السائدة، وهو ما يعيد للأدب وظيفته التنويرية النقدية. كما أن هذه الكتابات لا تكتفي بإثارة قضايا الذات المعذبة أو المقموعة، بل تفتح الباب أيضا أمام إعادة تأويل مفاهيم مثل الهُويّة، والحميمية، والتاريخ الشخصي. إنها لا تقدم إجابات بقدر ما تزرع الشك في يقينيات المجتمع، وتُحرّك المياه الراكدة، وتدعو إلى مساءلة البنى الأخلاقية والاجتماعية التي غالبا ما تتواطأ في تهميش الأصوات المختلفة أو قمعها. أما عن أثرها في تحرير الذات والمجتمع من القيود المحافظة، فإن هذا الأثر، وإن بدا بطيئا أو متقطعا، إلا أنه ملموس على صعيد إنتاج الوعي. إذ تُشكّل هذه النصوص فضاء مغايرا يسمح بالتعبير عن الانكسارات والتمزقات والهواجس، ما يُسهم في كسر حاجز الخوف من البوح، ويعزز ثقافة الاعتراف والتفكير النقدي، وهي خطوات ضرورية لتحرير الذات من وصاية المجتمع وإعادة تصور العلاقة بين الفرد والمجموعة. فهذه الكتابات تمثل ـ في نظري- أحد أبرز تجليات التحول الثقافي في العالم العربي، وتحمل إمكانيات هائلة لإعادة بناء الحس الجمعي على أسس أكثر انفتاحا وإنسانية، بشرط أن تجد بيئة نقدية ومؤسساتية حاضنة تحترم اختلافها ولا تحاكمها من منطلق أخلاقي أو أيديولوجي مغلق.

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *