حاوره: إلياس الخطابي
صار حضور الذات في الأدب العربي أكثر وعيا وتأثيرا، واللافت أن السير الذاتية لم تتوقف عند حدود الكتابات السردية بل تعمقت أكثر في الشعر بطرق شتى، وهذا ما رصده الشاعر والناقد المغربي عبداللطيف الوراري في أكثر من مؤلف له. « العرب » كان لها معه هذا الحوار حول السيرة والذات في الشعر.
يُعدّ عبداللطيف الوراري من أبرز النقاد الجدد في المشهد الثقافي المغربي والعربي، لما راكمه من أعمال تجمع بين الحس النقدي الدقيق والانشغال العميق بأسئلة الكتابة والذات والهوية من منظور شعرية ثقافية تأويلية. صدر له في نقد الشعر العربي: “تحوُّلات المعنى في الشعر العربي (2009)، و”نقد الإيقاع: مفهوم الإيقاع وتعبيراته وآليات تلقّيه عند العرب” (2011)، و”راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية” (2014)، و”الشرفة والرماد: دراسات في الشعر العربي وقضاياه (2022)، و”شعر اللحظة الراهنة: أسئلة ورهانات” (2025).
كما أصدر في مطلع العام 2026، عن عالم الكتب الحديث بالأردن، كتابا نقديا جديدا تحت عنوان “الأنا وظلاله، السير ذاتي وآليات اشتغاله في الشعر العربي”، وهو يدرس حضور السيرة الذاتية في الشعر العربي وطرق تدبيرها كتابيّاً وجماليّاً، وذلك من خلال رصد مجموعةٍ من آليّات الاشتغال التي تتنوع بحسب متون هذا الشعر في تطوّره، وأساليب الشعراء المحدثين أو المعاصرين الذين كتبوا سيرهم شعرًا وأعلنوا عن ذلك بشكل صريح أو مضمر وفق مواثيق قراءة تتوتر بين ما هو مرجعي وتخييلي.
ويأتي هذا الحوار للوقوف عند خلفيات هذا الإصدار النقدي، واستجلاء أهم الأسئلة والقضايا التي يثيرها، في علاقتها بالمنهج والرؤية النقدية التي تحكّمتْ فيه، أو في علاقتها بإستراتيجيات الممارسة الشعرية الجديدة التي أولت كتابة الذات قيمةً نوعيّةً، بعد أن تَخفّفت راهناً من “الهتاف” السياسي والأيديولوجي وملفوظاته النصية.
السيرذاتي والشعر
حول بدايات شغفه بالسيرة الذاتية، وما قاده لاحقاً إلى حضور السيرة في الشعر، يقول”قبل أن أقرأ أيّ سيرة أو كتاب حولها، حصل هذا الشغف المبكر عندي بالسيرة الذاتية، وذلك منذ أن دأبت أيام مراهقتي على مشاهدة حلقات البرنامج ذائع الصيت ‘دفاتر الأيام’ الذي كان يبثُّه التلفزيون المغربي في ثمانينات القرن الماضي. كانت تأسرني عيون الأدباء وحركات أيديهم وهم يستعيدون ذكريات الماضي: نجيب محفوظ، مصطفى أمين، توفيق الحكيم، إحسان عبدالقدوس، عائشة بنت الرحمن، عمر أبوريشة، محمد مهدي الجواهري، يوسف إدريس، ميخائيل نعيمة، يحيى حقي، سهير القلماوي، عبدالله البردوني…”.
فأنْ يتحدّث شاعر أو أديب عن ماضيه الشخصي، ويتطرق إلى أطراف من سيرته الذاتية، أو إلى المصادر الأساسية التي ينهل منها، وطقوس كتابته، والمصاعب التي واجهها في بداية تفتُّق موهبته الأدبية، كان ممّا يستهوي الوراري في البرنامج ويجعله مأخوذًا برنين كلماتهم.
ويضيف “رُبّما رسخت بذاكرتي صورة إحسان عبدالقدوس بجسمه الغليظ، ووجهه الطفولي المضيء، وهو يتحدث عن علاقته بأُمّه روز اليوسف. ثُمّ لم ينصرف وقت طويل حتى رأيت طه حسين يقتحم عليّ عزلتي وهو يهديني سيرته الذاتية العطرة ‘الأيام’. ظلّت ‘الأيام’ قريبةً من أيامي مثل بلسم غريب، وعلى غلافها طه بنظارته قاتمة السواد، كأنّه يخاطبني ويهمس في أذني بعطف أبوي، ويضيء لي درب أحلامي في سيرة حياة شاقّة وصعبة”.
بيد أنّ هذا الشغف الفطري انتقل إلى انشغال أكاديمي ضمن مشروع بحثي حرص الوراري على الانخراط فيه بالشغف ذاته، بعد أن شارك عام 2013 في الدورة الأكاديمية لبيت الشعر في طنجة، وكان موضوعها “الأوتوبيوغرافي في الشعر المغربي المعاصر”، ووجد أن مثل هذا الموضوع شاقّ ولا يمكن فهمه بهذه العجلة، فهو يحتاج بالفعل إلى مسافة أنسب للاستئناس به ومعرفته، بل قُلْ هو مغامرة إذا علمنا أن النقد قد درج على دراسة السيرة الذاتية بوصفها نوعا سرديّا ومرجعيّا.
عودة إلى الكتاب وإلى عنوانه تحديدا، تسأل “العرب” الوراري ماذا يعني بـ”الأنا وظلاله”؟ وهل “الظلال” هي امتداد للذات أم انكسار وتشظٍّ لها؟ ليجيبنا “يجب أن نتفق على أنّ مصطلح ‘الظلّ’ شائع في دراسات التحليل النفسي خلال العصر الحديث، ويعود في الأصل إلى عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ، بحيث قدمه كجزء أساسي داخل نظريته لدراسة النفس البشرية وعناصرها المكبوتة وغير الواعية. فالظلّ (Shadow) –عنده- هو الجزء من شخصية الإنسان الذي يحتوي على جماع الصفات والأفكار والمشاعر والرغبات التي يرفضها الأنا الواعي (الجانب الذي نعرفه عن أنفسنا؛ أي ما أعتقد أنّ ‘أناي’ عليه ومن خلاله أنظّم علاقتي بالعالم الخارجي)، أو أنه يكتمها فيصبح جزءًا غير واعٍ من النفس، وغالبًا ما يعبر عن نفسه من خلال أنماط السلوك والتعبير غير المرغوب فيه، أو يتمّ إسقاطه على الآخرين”.
ويرى أن كلّ ما يُقصى من الوعي يذهب إلى الظلّ. من هنا، يُكنى بهذا “الظلّ” عن الجانب المعتم والملتبس في النفس البشرية، لكنه ليس “شرًّا” بالضرورة، بل هو غير معترف به أو مُتوارٍ إلى أن تعمل الكتابة الإبداعية بوسائلها الخاصة على التعبير عنه بشكل أو بآخر (الرموز، الأحلام، الاستيهامات…)، وبالتالي تتحاور معه ضمن علاقات معقدة وجدلية تعكس أكثر من مستوى تعبيري على صعيد الغيريّة (تقنّع، تفريد، تأويل…).
وهكذا تكمن “ظلال الأنا” في الاعتراف، والتشظي، والمفارقة، والصوت الخفي في السيرة الذاتية، وألاعيب الشعر الشخصي، والكتابة الاستذكارية والاعترافية، حيث تكون مثل هذه الكتابة نفسها طريقة تدبير خاصة لمحاورة “الظلال” والتفاوض معها وبحث التوازن في حيز الوجود المعطى أو المفترض، داخل رهان الغيريّة، بين الذات والآخر، بين المتصل والمنقطع، وبين المرجعي والمتخيل.
مثل هذه العبارات المفارِقة التي تتردد في سياق الكتابات الذاتية أو في التنظير لها: “أنا هو الآخر”، “أنا لستُ أنا”، “هل هو أنا؟”، تعكس حقيقة الكتابة الذاتية. فحين يكتب الإنسان ذاته لا ينقل “أناه” بصورة ثابتة ومكتملة، بل يكتشف أن الذات متحوّلة، متشظية، وموزّعة بين الذاكرة، واللغة، والزمن، والصورة التي يريد تقديمها عن نفسه. ثمة دائماً مسافة بين الشخص الذي عاش الحياة، وقرينه الذي يتذكر ماضيها ويكتبها من منظور الحاضر. فالذات لا تتطابق مع نفسها تماما، بل بالأحرى تعيد بناءها بناءً لغويّا، وتشكيلها، واختراعها وتخييلها. ومن ثم تعيد اكتشاف هويتها المتحولة. إنها ذات تُكتب كي تبحث عن نفسها، ولكن يتعذّر الوصول إليها كما كانت.
انطلاقاً من هذا الفهم، تسأل “العرب” الوراري كيف يكون السيرذاتي في الشعر وهو غير النثر، بين ذات معبر عنها صراحة، وذات متخيلة تُبنى داخل اللغة وعبرها؟ وهل لذلك تأثير في بناء السيرة شعريّا؟ فيقول “هذا هو جوهر المسألة برُمّتها. أنت تعرف أن تنظير السيرة الذاتية ارتبط عند دارسيها بالسرد غالباً، ورغم أنّهم لم يستبعدوا بعض المحاولات التي اتخذت الشعر أداة لكتابة السيرة الذاتية، فقد أدلوا في هذا الصدد بجملة من التحفُّظات المنهجية. ومن هنا كان الإشكال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن للباحث أن يتخلّص من عبء التنظيرات السيرذاتية المكرسة لنصوص السرد، ليبتكر إطارًا نظريًّا خاصًّا ومستقلًّا يستفيد مما سبقه، ويكون ملائمًا لدراسة تجلّيات السيرة الذاتية في الشعر؟”.
ويضيف “كان مثل هذا الإشكال مطلباً ضروريّاً ومستعجلاً بالنسبة إلي، فلا يمكن بحث السيرذاتي في الشعر إجمالاً، وفي الشعر العربي الحديث والمعاصر على وجه الخصوص، إذا لم نُحرّك مفهوم السيرذاتي ومستتبعاته (النثر، الاسترجاع، الذات، المرجعية، التطابق…)، حتى يمكنه أن يتجاوز عتبة المتن االسردي إلى الشعري، ومن ثمة يُعنى بكيفيات صَوْغ السيرة شعريًّا، أي بالممارسة التي اتخذتها مُكوِّناتها ضمن البنية الشعرية. حين تعبر السيرة الذاتية إلى الشعر تصطبغ بروح الشعر وتتأثّر بفاعليّته بما هو خطابٌ نوعيٌّ وواقعةٌ ثقافيّةٌ وجماليّةٌ مختلفةٌ عن النثر”.
وهكذا كان المرتكز النظري الذي انطلق منه يتمثل في ضبط أشكال حضور السيرة الذاتية في الشعر، الذي يتصل بـ”الفضاء السيرذاتي” وينفكُّ عنه في الوقت ذاته؛ لأن مثل هذا الحضور النوعي ليس على الدوام أمرًا مسلّمًا به، أو أنّه لا يحتاج إلى برهنة أو إقرار بوجوده، وليس دائمًا معبّرًا عن المقاصد العلنية للشعراء وهم يعرضون علينا، بوعي أو في غفلةٍ منهم، سيرهم الشعرية التي لا تخضع بصرامةٍ للواقعية والميثاق المرجعي والسرد الكرونولوجي المعتاد، بقدر ما تدخل ضمن لعبة الكتابة وما تقتضيه من أفانين التخييل والمحو وإعادة البناء.
ويؤكد الوراري أنه لهذا حرص على أن يتتبّع اشتغال السيرذاتي ليس بصفته خطابًا بانيًا فحسب، بل طريقةً لتخييل موضوعها وقول أناها التلفُّظي وتمثيل تجربة المعيش من خلال انفتاحها على مجموع الإمكانات والتقنيات الكتابية والتصويرية التي تستوجبها بنية الشعر بحدّ ذاته، كما قد تستدعيها عناصر موازية له، من ذات إلى ذات.
هذه الفرضيات المعرفية والمنهجية عن السيرذاتي في الشعر وداخل توتّره بين المرجعي والتخييلي، نسأل عبداللطيف الوراري كيف وجدت طريقها إلى أجرأتها من خلال المتن الشعري المدروس؟ وما هي هذه الآليات المحددة لتجلّيات السيرة الشعرية؟
يقول “ينبغي أوّلًا أن نعلم أن مسيرة الشعر العربي الحديث قد ساهمت في تحرير الذات من القوالب التقليدية التي كانت تقيّدها على صعيد الشكل أو المضمون، ولم يعد رهانها أن تعيد إنتاجها كما كانت. فالتحويل الشكلي للقصيدة العربية الحديثة منذ بدايات القرن العشرين ساهم في ترتيب أوضاع الدالّ الشعري من جهة، وفي الانتقال من تصنيف أغراضي إلى آخر أنواعي (غنائي، درامي، ملحمي)؛ وهو ما أثرى الشعر العربي ذا المهيمنة الغنائية بعناصر درامية وملحمية”.
ويتابع “قاد ذلك إلى اختراق الحدود بين الشعر والنثر وتوظيف تقنيّات مستعارة من أجناس أدبية وغير أدبية، بشكل سمح للشاعر العربي بأن يوظف المُكوِّن السيرذاتي، وأن يُوطِّن في سيرته الشعرية صورةَ الذات المستعادة وحضورها في العالم بكيفيّةٍ أقرب إلى التخييلي منه إلى المرجعي. وبطبيعة الحال، تتأثر دوالّ الكتابة الشعرية إيقاعًا وتصويرًا ورُؤْيةً، بكلّ ذلك، بل إنه كان يتقاطع في الصميم مع حداثتها ومغامرتها في البحث والتجريب”.
بالنسبة إلى الآليات المحددة لتجلّيات السيرة الشعرية، فهي تُبنى، وفق تعبيره، من خلال الخطاب بوصفه إستراتيجيّةً في القراءة والتأويل، أكثر من كونه نسقًا أو بناءً ناظمًا لعناصر الموضوع. فالسيرذاتي في الشعر العربي يُقدّم خصائص محددة، ولا يتحقّق البحث فيه إلا باعتبار هذه الأولويات: أولاها تخصُّ إنجاز تلفُّظه الخاص، وكتابته الخاصة، ومشروع “أناه” الخاص.
وثانيتها، كما يقول، تتوجّه إلى فعل كتابة الذات غير القابل للفصل عن فعل تمثُّل هذه الذات لنفسها وللآخر، وعن تخييل صور كينونتها أو هُويّتها المتحولة في الكتابة وعبرها. فالكتابة السيرذاتية في سياق الشعر هي غيرها في سياق النثر؛ إذ تتطلّب من الشاعر أن يقول سيرة الـ”أنا” ويستعيد ملامحها تخييليًّا عبر رؤية أنواعية تتقيّد بقوانين الخطاب الشعري وفضاء تكوُّنه، مثلما أنّها تنفتح على تقنيّات جديدة يستوجبها السرد.
ويواصل “انطلاقًا من ذلك، عملنا على كشف آليات اشتغال السيرذاتي من خلال تحليل تمظهراته وأنماط بنائه النصّي الذي كان ضمن حداثة الشعر العربي، ولم نفصل ذلك عن جماليّات استعماله في إطار السيرة والشعر معًا؛ فالشاعر لم يكن يعنيه فقط استعادة شذراتٍ ومقاطع من ماضيه وحياته الشخصية بوجه من الوجوه، بل كذلك يُوجّه عبر هذه الاستعادة مقاصد كتابية وجمالية ضمن خطابه على نحو يساهم في نقله وتحويله وإعادة بنائه، مثلما يُبرز ثراءه وتفرُّده”.
انكشاف القارة المجهولة
نعرف أن هذا الكتاب هو جزء من مشروع عبداللطيف الوراري العلمي والأكاديمي، إذ سبق له أن أصدر في أدب السيرة الذاتية بما يدخل ضمنها من نصوص سردية وحوارية ورسائلية وشعرية: “ترجمة النفس: السيرة الذاتية عند العرب”، و”علي جعفر العلاق: حياة في القصيدة” و”عبدالكريم الطبال ناسك الجبل”، و”رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد: أضواء جديدة على حياتها وشعرها”، و”الذات، الكتابة والهوية: حوارات في الشعر المغربي”، و”سِيَر الشُّعراء: من بحث المعنى إلى ابتكار الهوية”، و”السيرة الذاتية: النوع وأسئلة الكتابة”، عدا الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه تحت عنوان “الكتابات الذاتية: قضايا وإشكالات”. تسأله “العرب” عن خصوصية هذا المشروع داخل خريطة البحث الذي تمّ في مجال السيرة الذاتية عربيّاً.
السيرة الذاتية حين تعبر إلى الشعر تصطبغ بروح الشعر وتتأثّر بفاعليّته بما هو خطابٌ نوعيٌّ وجماليّةٌ مختلفةٌ
يقول الناقد المغربي “أدين لمن سبقني في مثل البحث بفَضْلٍ عليّ من أثر قريب أو بعيد، سواء كانوا باحثين عربًا ومغاربة أو أجانب. في المجال العربي، رغم التضييق الذي عرفته نصوص السيرذ الذاتية، فهناك روّاد ملهمون لفنّ السيرة ممن كتبها وترك فيها تأملات بديعة، أو نقّادٌ اشتغلوا عليها تنظيرًا وتحليلًا وأسهموا في دراستها علميّاً (طه حسين، عباس محمود العقاد، أحمد أمين، محمد شكري، إحسان عباس، يحيى إبراهيم عبدالدايم، عبدالله إبراهيم، عبدالقادر الشاوي، حاتم الصكر، عمر حلي، شكري المبخوت، سعيد يقطين، محمد الداهي، جليلة الطريطر…). لقد أفاد هؤلاء هذا الفنّ ودرسوه من منظورات نقدية مختلفة كانت تتطور باستمرار (الشعرية، علم السرد، السيميائيات، الدراسات الثقافية…)، وما زال المجال مفتوحاً بالقياس إلى تدفق الكتابات الذاتية من كل نوع، وإلى تطور آليات تحليل الخطاب”.
ويضيف “سيكون ضربًا من الغرور أن أتحدث عن مشروعي المتعلق ببحث السيرة الذاتية، لأنّ هذا الأمر يُترك لغيري بقصد التحرّي والموضوعية. ولكن دعني أقل إنّ هذا المشروع نشأ وتطور في سياق إنجاز أطروحتي الجامعية تحت إشراف أستاذي د. رشيد يحياوي، والتي كانت تهمّ بحث آليات اشتغال الخطاب السيرذاتي في الشعر العربي الحديث والمعاصر”.
ويتابع “بموازاة معها، أو بعد مناقشتها، كنت أنجز دراسات ومقالات تركز على تحليل نصوص النوع السيرذاتي، أو على العلاقة بين السيرة الذاتية والتخييل الذاتي، أو بينهما وبين الشعر على وجه خاص. بل إنّي في أحايين أخرى، وتَخفّفاً من صرامة البحث وضيقه، كتبتُ شذراتٍ من سيرتي الذاتية المعنونة بـ’ضوء ودخان’، وكتبتُ أطرافاً من هذه السيرة شعراً في دواويني المتأخرة: ‘ذاكرة ليوم آخر’ (2013)، و’من علو هاوية’ (2015)، وبصورة أجلى في ‘قرطاس: سيرة شعرية’ (2022)”.
يواصل الوراري “لنقُلْ إنّي كنتُ منشغلاً لا بالسيرة الذاتية كنوع في ذاته، بل باعتبارها فضاءً تتقاطع فيه أشكال وأنواع وفنون متعددة؛ أي بالمنطقة البينية الأشدّ توتّراً. من هنا، اهتممتُ بالسيرة الذاتية ليس كحكي، بل بوصفها كتابة؛ أي بدلاً من السؤال: هل ما يُروى صدق أم متخيَّل؟ كان يهمّني سؤال آخر: كيف تُكتب الذات؟ وهو لا يهتم كثيرًا بـ’مطابقة الواقع’، بل بكيفيات تشكّل الصوت/ الأنا داخل اللغة بوصفها سيرورة كتابية وتأويلية في آن، ومدى تأثيرها في إعادة تشكيل أو ‘تخييل’ الهوية التي تعبر عنها عبر الخطاب سردا وشعرا”.
أما عن نظرته إلى واقع الكتابات الذاتية اليوم، وهل ساهمت التحولات في رفع “الضيم” عنها؟ فيقول “يلاحظ المتتبع أن هذه الكتابات تطوّرت بشكل ملحوظ ومتسارع بسبب اتساع هامش الحريات والديمقراطية، أو بفضل التقدم التكنولوجي. وداخل العلوم الإنسانية يوجد اهتمام أكاديمي ونقدي بأشكال الكتابة الذاتية”.
ويضيف “لا يعوزنا الحديث لتسمية العديد من هذه الأشكال التي أفاضت حبر ‘القارة المجهولة’؛ مثل: السير الذاتية، اليوميات، المراسلات الرسمية أو الخاصة، الاعترافات، المذكرات، الشهادات، التخييل الذاتي، القصيدة السيرذاتية، محكي السفر، قصص الحياة، وثائق المعيش، وغيرها من النصوص المكتوبة بضمير المتكلم المرجعي، التي تحمل على مراعاة احترام الشخص الإنساني وحقوقه الاعتبارية؛ بما في ذلك بطائق السفر البريدية، وألبوم الصور، والموضوعات التي تمّ جمعها من نهج السيرة، والمقابلات الإعلامية، والمقدمات، والمحادثات الغرامية، وحتى ضروب المونولوغ الداخلي حيث الذات تحكي تاريخها الخاصّ بشكل يومي”.
كما أمست المُدوّنات والشبكات الاجتماعية الرقمية (فيسبوك، تويتر، أنستغرام…) تُمثِّل بدورها مِنصّاتٍ مُغْرية لعرض “الأنا”؛ حيث ينشر أصحابها صُوَرَهُمْ الشخصية والعائلية وخصوصيّاتهم الحميمية وذكرياتهم الطفولية وأنشطتهم شبه اليومية، ويُنْشئون بينهم وبين القرّاء مواثيق من طبيعة تفاعلية. ومن ثمّة، صارت مثل هذه الكتابات تقدم نفسها بوصفها الوسيلة المثلى للإجابة عن أزمة الذات المعاصرة من جهة، ومن أجل تحليل الصعوبات التي تواجه الذات للتعبير عن نفسها داخل اللغة من جهة أخرى.
لقد باتت أشكال الكتابة الذاتية تسائل الأدب المعاصر ونظريّته، وفي هذا السياق جاء الكتاب الجماعيّ المعنون بـ”الكتابات الذاتية: قضايا وإشكالات” (منشورات عالم الكتب الحديث، إربد – الأردن 2026)، الذي أشرف عليه عبداللطيف الوراري وشاركت فيه ثُلّةٌ من الباحثين المتخصصين، من أجل أن يغني النقاش المعرفي المتعلق بمثل هذه الكتابات في مختلف قضاياها المعرفية والجمالية.
*نُشر الحوار بصحيفة (العرب)، 26/ 06/ 2026.



لا تعليق