عبد اللطيف الوراري

تحضر الكتابة الشذرية في شعرنا المعاصر بصيغ وكيفياتٍ متعددة، بل طرحت نفسها في قلب الصراع الأنطولوجي الذي يخوضه الشاعر مع مجموع ما يحيط به، ويتمثّلها باعتبارها أسلوبا جديدا، وحساسية جديدة، وتأويلا جديدا للذات والعالم. صحيح أنّ الشذرة كانت في تتردد في كتابات القدماء والمحدثين داخل تصوراتهم الفلسفية والعرفانية والجمالية، وكانت في كل حقبة تعبر عن « براديغم » مختلف ومغاير. إلا أنّها اليوم باتت تشكل ظاهرة؛ فقد وجدنا أنّها استبدّت بجزء كبير من خارطة الشعر المعاصر، ووجدنا أن وعي الشعراء الجدد بشرط نصوصهم الكتابيّ والجمالي أخذ يتقوّى ويبرز بشكلٍ أكثر حدّةً ومُغايَرةً، حتى وجدنا أن هذه الكتابة تقدم نفسها خارج « السنن » الثقافي وخارج القواعد المتواضع عليها إلى وقته، أو بالأحرى باتت تفرض قواعد خاصة بها تُفجّرها من داخلها، وقد مالت أكثر إلى القصر والاقتصاد في اللغة والتكثيف، وعبرت عن وعي الذات المتشظي بنفسها والعالم، بقدر ما عملت على تشذير البناء النصي وأولت الدالّ الأسبقية في تشييد مُتخيَّلها وتفجيره في آن. أي في مقابل تجانس الانسجام الذي تشدُّ أجزاءه رقابُ بعضها ببعض داخل القصيدة- الكتلة، تصنع الشذرات «نصّا» متشظّيا، كثيفا، مُفارقا، شفّافا، مُتعدّدا ومفتوحا. وهو ما دشن، في حقيقة الأمر، أسلوبا جديدا في الكتابة وحياتها نكتشفه، على فترات دالّة، عبر الأعمال الشعرية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، ولا ننفي – هنا- أن بعضها ترعرع ووقع تحت تأثير الفيسبوك بوصفه حاملا جديدا للكتابة يساير فضاءه الأميل للقصر والتشذيب، وتحت تلقّياته السريعة من قارئ مُتعجّل ومتلقّف لكلّ ما يدهشه في أقصر وقت ممكن.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كانت الكتابة الشذرية قد سادت بالفعل فضاء الشعر المعاصر، فهل معنى ذلك أنها صارت بديلا عن القصائد المطوّلة والمدوّرة التي سادت الشعر العربي، وعن الجهد البنائي والجمالي الذي كانت تفترضه؟ ومن ثمّة، فهل يتعلق الأمر – فعلا- بكسل شعري، أو بالأحرى برؤية متراخية للعالم؟
لا نملك الحقّ في امتلاك جواب قطعي وتعميمي، فالكتابة الشعرية بطبيعتها متعددة الرافد والشكل والأسلوب، وإن كان هذا لا يتنافي مع القول بأنّه في كل طور من أطوار تاريخ الشعر العربي يهيمن نوع شعري ما ويزيحه إلى الهامش، لكنه لا ينفيه ويحل محلَّه، ورُبّما عرضنا مثل هذه المشكلات الشعرية على ذوي الاختصاص لفهم ما يحدث وإعادة « تسييقه » من جديد.

أحمد عزيز الحسين: غربة الفنون
تحوّلت الكتابة الشذرية إلى ظاهرة في العصر الحديث، وأمسى لها سماتٌ محوريّةٌ تُميِّزها من غيرها من ألوان الكتابة، وبنى فنيّة تجسِّد ثيماتها الموضوعاتيّة، وذهب بعض النّقّاد إلى أنّ الشكل الفني الذي تتّسم به منبثقٌ من كونها تتوجّه إلى متلقٍّ عجُول وشَغُوف بوسائل التّواصل الاجتماعي، وليس لديه الوقت لمطالعة المُطوَّلات من النصوص الشعرية أو النثرية، ولذا وجد ضالّته المنشودة في النصوص القصيرة جدّاً التي تُقدِّم الفكرة في شكل بَرْقيٍّ مضيء، وتُلمِّح إلى الدلالة بدلًا من أن تصرِّح بها، وتقول في بضع جمل ما ينحو غيرُها إلى قوله في كتاب كامل، وهذا يتطلّب من الكاتب الاعتماد على الإشارة والتلميح والمجاز البرقيّ الخاطف في كتابة نصوصه، وقد يقوم بتعديل هذه النصوص بعد نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي كي تصل بيسر إلى القارئ الذي تتوجّه إليه.
وفي ظنّي أنّ طول النص الشعري أو قصره لا علاقة له بالمنصّة التي يُنشَر فيها، أو بالقارئ الذي تتوجّه إليه بل له علاقةٌ وثيقة بموهبة الكاتب الإبداعيّة، وبطبيعة « الثِّيمة » التي يتمحور حولها النص نفسه، إذ إنّ موهبة الكاتب الخلّاقة، فضلا عن طبيعة « الثِّيمة » والفكرة التي تتمحور حولها، والهدف المَرُوم منها هو الذي يجعل المبدع يختار آليّة التشكيل الفني التي يتّكئ عليها في كتابة نصه القصير، أو المتوسط، أو الطويل، وهو الذي يُملي عليه الرُّؤية التي يتّكئ عليها في الكتابة؛ ما يجعله يُفسِح المجال للثِّيمة كي تتجلّى في شذرة شعريّة مُختزَلة بأروع شكل جمالي ومجازي ممكن. ولو أنّ المبدع العربي راعى عند كتابته للنص الشعري ما يريده المتلقي العربي الشّغُوف بوسائل التواصل الاجتماعي لامتنع عن الكتابة نهائيّاً؛ ذلك أنّ هذا المتلقِّي يتعامل مع وسائل التّواصل على أنّها منافذ للتسلية وتزجية أوقات الفراغ لا على أنّها منابر للقراءة والارتقاء بذائقته الجماليّة ومنهجه المعرفي، ومع أنّ هذا الحكم ليس ناتجاً عن استبيان قمْتُ به، أو نتيجة حصلتُ عليها من مؤسَّسة بحثيّة موثوق بها إلا أنّني أتابع بدقّة ما يقرؤه الجيل الشابّ، وما يهتمّ به في الحيّز الذي أتحرّك فيه، وفي ظنّي أن معظم أفراد هذا الجيل لا يقرؤون الشّعر أو الأدب أو العلوم الإنسانيّة عموماً، وتقتصر قراءاتهم على ما يُسلّيهم ويُمتّعهم لا على ما يرتقي بوعيهم العامّ وذائقتهم النّقديّة وحساسيتهم الجماليّة، ولذا فإنّ كتابة الأديب العربيّ للشّذرة الشعرية أو النثرية ليست منبثقةً من رغبته في التّوجُّه إلى أفراد هذا الجيل، بل هي نوع من التّقليد درج عليه متأثِّراً بالآخَر، كما فعل من قبل مع الأجناس الأدبيّة الأخرى، ولذا لا يمكنه الادّعاء بأنّه يكتب الشّذرة الشعرية أو النثرية للتّواصل مع مُتلقٍّ مُعيَّن يحتضنه سياقٌ عربيٌّ له مواصفاتٌ محدَّدة.
وفِي ظنّي أنّ ما تعيشه فنونُ الجمالِ والقولِ عامّة من غربةٍ في مجتمعنا العربي، ناتجةٌ أساساً عن وجود انفصالِ واضح بين هذه الفنون وبين تجلّياتهِا الحياتيّةِ أو الموضوعيّةِ في سياقنا العربي؛ إذ نحن نُبِيحُ لأنفسنا استعارةَ ما أفضتْ إليه الحضارةُ الغربيّة من منجزات تقنيّة ومفاهيم استهلاكيّة، ولكنّنا نبقى مشدودين إلى ما يحرص عليه النظام البطركي الذي يحتضننا من إقامةٍ مستديمةٍ في الماضي، وعداءٍ للتّنوير، والحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية، فضلا عن انجرارِ مجتمعنا البطركيّ خلف قطارِ التيار الاستهلاكي السريع، وسعيه الحثيث لأنْ يكونَ ذيلا للآخَر الذي صاغ مفهومَ الحداثة الحضاري والتقني والإبداعي، وعمل على توضُّعِه في تربته الوطنيّة، مع الحرصِ على الإفادةِ ممّا يعنيهِ هذا المفهوم على مستوياتِ الحياةِ كافّةً، بخلاف ما هو عليه الحالُ في عالمنا العربي كلّه.

ملاك أشرف: ابنة زمن متكسر
على مرِّ العصور الأدبيّة، شهدت الأشكال الشعرية تحوّلاتٍ جوهريّة تبعًا لما سعت كُلّ حقبةٍ إلى التعبير عنه في شِعرها، ومع ذلك لم تُبنَ هذه الأشكال بمعزلٍ عن غيرها؛ فالشِّعر يعيد بناءَ نفسه باستمرار، وهو قادرٌ على التطوّر المتواصل لمواكبة متطلّبات عالمٍ دائمِ التغيّر، وانطلاقًا من ذلك، فإن سَيطرة الكتابة الشذريّة في الشعر المعاصر لا تعني أنها ألغت القصيدة المطوّلة أو المدورة، بل ظهرت بوصفها صيغة تعبيريّة موازية نشأت من تحوّلاتٍ عميقة في الوعي الجمالي، وفي علاقة الشاعر بالعالم واللُّغة والزمن. فالبديل الحقيقيّ لا يثبت إلا إذا عجز الشكل السابق عن إنتاج المعنى، وهو ما لم يحدث؛ إذ ما زالت القصيدة الطويلة قادرة على الحياة متى توفّرت لها ضرورة داخليّة. والخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن الشذريّة كتابة «أسهل» أو «أخفّ جهدًا»، على حين أنّ الجهد البنائيّ فيها انتقل من الامتداد إلى الكثافة، ومن البناء الأفقي إلى البناء العمودي، أي إن الجهد لم يختفِ، بل تغيّر موقعه وشكله. فالشذريّة ابنة زمنٍ متكسّر: زمن القلق، والتسارع، وانكسار السرديات الكبرى، وتراجع اليقين، وإذا كانت القصيدة الطويلة تنتمي – في جوهرها – إلى وعيٍ يرى العالم قابلاً للتماسك وإعادة الصياغة الكلّية، فإن الشذرة تعبّر عن وعي يرى العالم مبعثرًا، هشًّا، غير قابل للاحتواء الكامل؛ ومن هُنا فإن الكتابة الشذريّة ليست خيارًا تقنيًا، بل موقفًا أنطولوجيًا من الوجود.
وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن إنكار أن شيوع الشذريّة قد فتح الباب أمام كتابة كسولة تتخفّى خلف القِصر والانقطاع، الأمر الذي يخلق وهمًا بأن الشِّعر تخلّى عن الجهد البنائي، إلّا أن الشِّعر الرديء وحده مَن تخلّى عنه؛ وعليه فإن الكتابة الشذريّة ليست بديلًا عن القصيدة المطوّلة ولا نقيضًا للجهد البنائيّ الجماليّ، بل هي تعبير عن تحوّل في حساسيّة الشِّعر ورؤيته للعالم، إذ إن القصيدة، في كُلِّ أشكالها، لا تُقاس بطولها أو قصرها، بل بمقدار ما تحتمله من ضرورةٍ عاطفيّة، وكثافة جماليّة، ورؤية صادقة للوجود.
وإن ربط الكتابة الشذريّة بالرؤية المتراخيّة للعالم يُعدّ تبسيطًا يختزلُ ظاهرةً جماليّة مركّبة في حكم أخلاقي، والأدقّ أن نقول إن الشذريّة تتعلّق بنمطٍ مختلف من الرؤية، لا بضعفها أو تراخيها، فهي لا تنبع من الاسترخاء إزاء العالم، وإنّما من الإحساس بأن العالم نفسه لم يعد قابلًا للقبض عليه في صورةٍ كلّية، ومن ثمّ تعبّر عن توتر معرفيّ ووجوديّ، لا عن تساهل في الرؤية؛ لذا فالرؤية المتراخيّة تترك المعنى معلّقًا لأن الكاتب لم يحسم موقفه، أمّا الرؤية الشذريّة الجادّة فتترك المعنى مفتوحًا لأن العالم نفسه مفتوح ومأزوم. وكما أنّ القصيدة المطوّلة قد تتحوّل إلى حشوٍ إنشائيّ، كذلك قد تتحوّل الشذرة إلى «ملاحظة عابرة» بلا ضرورةٍ شِعريّة، وعندها فقط يمكن الحديث عن كسلٍ شِعريّ، لا عن كتابةٍ شذريّة؛ لأنّ الكسل يظهر حين تُستعمل الشذرة لتجنّب الاشتغال اللغوي والبنائي، لا حين تكون هي الصيغة الأكثر ملاءمةً للرؤية.
أمّا الوسائطُ الرقميّة، فقد أسهمت بقوّة في ترسيخ القِصر والتكثيف وتشذير البناء الشِّعريّ، بيد أنّها لم تُنتج الشذريّة من العدم، بل سرّعت ميلًا كان موجودًا أصلًا في الوعي الشعري الحديث، والخطر لا يكمن في القِصر ذاته، بل في أن يصبح الشِّعر ابنَ الخوارزميّة لا ابنَ الضرورة الجماليّة؛ ولكن الفارق الحاسم يبقى في وعي الشاعر: أَيستعمل الوسيط ليخدم رؤيته، أم يسمح له بأن يُملي عليه شكلَ هذه الرؤية؟
وفي هذا السياق، تميّزت القصيدة المُعاصرة بجرأتها في تبنّي كُلّ ما هو جديد، متحرّرةً من الأشكال التقليديّة، ساعيةً إلى استكشاف أساليب تعبيرٍ مغايرة تعكس تعقيدات الحياة الحديثة، وغالبًا ما تمزج هذه القصيدة بين تأثيراتٍ ثقافية متنوعة، وموضوعاتٍ وأصواتٍ مختلفة، لتخلق طيفًا واسعًا من وجهات النظر. وبتركيزها على ذات الشاعر، تمنح القصيدةُ المُعاصرة الأولويّة للأصالة وللصدى العاطفيّ؛ ممّا يتيح للشُعراء مقاربة القضايا الذاتيّة، والصراعات الشخصيّة، والحقائق الكونيّة بأساليب مبتكرة ورؤى فريدة.

محمد الديهاجي: تعبيرًا عن حساسية مأزومة
لا أظن أن الكتابة الشذرية اليوم، جاءت لتُلغي القصيدة المطوّلة أو المدوّرة، بل لتجاورها. فالتاريخ الشعري نفسه عرف التنوّع في الأشكال والمقترحات والأنماط منذ العصر الجاهلي الأول، ولم يكن الطول معيار القيمة البتة، ولنا في المقطوعة والأرجوزة في العصر الجاهلي خير مثال على ذلك. فالشذرة ليست نقيض البناء، بل بناءٌ من نوع آخر، يقوم على الاقتصاد الدلالي لا على الامتداد الإنشادي.
والحق أن اختزال الشذرة في “الكسل”، عند الكثير من المتحفظين، فلعمري هو حكمٌ أخلاقي أكثر منه نقدي. والأصحّ أن الأمر يتعلّق بِتحوّلٍ في تمثّل العالم: عالم متشظٍ، متسارع، فاقد للسرديات الكبرى. الشذرة هنا ليست هروبًا من الجهد، بل استجابة جمالية لوعي لم يعد يثق في الاكتمال ولا في الانسجام الكلّي. فمعلوم أن القصيدة المطوّلة تفترض جهدًا في الربط والتنامي، بينما تفترض الشذرة جهدًا أشدّ في الاختيار والحذف. التكثيف ليس طريقًا مختصرًا، بل مسارًا دقيقًا يراهن على الصمت والعماء، مثلما يراهن على الانكسار الدلالي والطفرة والانقطاع التي تشكل نواة نظرية الكارثة عند العالم روني طوم.
ليس من شكٍّ في أن فيسبوك وتويتر وإنستغرام وكل المنصات الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، لعبت دور “الحوامل الجديدة” للنص الشعري. والأكيد، كما هو معلوم وعطفا على ذلك، أن هذه الوسائط تشجّع القِصر، واللمعة، والومضة، والصدمة السريعة، وتفرض إيقاعها على الكتابة. غير أن هذه الوسائط لا تخلق الشكل من عدم، بل هي تُسرّع فقط ما كان كامناً وموجودا؛ ذلك أن الحداثة في جوهرها، بوصفها مرجعية وخلفية لهذه الاختراقات الشعرية، تميل أصلًا إلى التفكيك والتجزئة، وتقويض كل ما هو مركزي لصالح الهامشي والعابر والمجاني بتعبير سوزان برنار. لكن، في خضم هذا التطور الشعري، وجب التنبيه الى أن القارئ الرقمي اليوم، أصبح قارئا متعجّلا بشكل خطير، ما قد يجعل هذه العجلة عند بعض الشعراء، تتحول إلى معيار إبداعي. وهنا تحديدا، يُختبر الشاعر: هل يكتب شذرة تُقاوم الاستهلاك السريع، أم شذرة مصمَّمة للاستهلاك الفوري والنسيان؟
في المحصلة أقول ان الكتابة الشذرية ليست علامة انحطاط ولا بديلاً نهائيًا عن القصيدة الكبرى، بل هي مقترح من ضمن مقترحات لا تعد ولا تحصى في الشعر بوصفه جمع كثرة، لذلك ينبغي علينا أن ننظر إليها اليوم بوصفها تعبيرا عن حساسية معاصرة مأزومة بالزمن والتشظي. فالإشكال ليس في القِصر أو الطول، بل في ما إذا كان النص – شذريًا كان أو مطوّلًا- ينطوي على رؤية، وكثافة، وضرورة شعرية حقيقية.

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *