سيرة بدم البرازخ الشعرية العليا
في ديوان (قرطاس) لعبد اللطيف الوراري
محمد علوط

    ليس سهلاً كتابة الشعر بلغة تُضاهِي الصَمتَ، لغةٍ مفرقية تَضَعُ سؤال الشعري (Le poétique)، في المسافةِ المتوغّلةِ الإسراء بين [الكينونةِ والنِّسْيانِ]، أو أنْ تزج بمَقَامَاتِ المجاز الشعري متورطا في مَشَابِكِ [مَحْكيٍّ أوتوبيرغرافيٍّ] مع كُلِّ تلك الرهانات الإستطيقية الّتي تَنْتُجُ عن المُصَادَفَاتِ الحُرَّةِ لِتلاقي الأنواع والأجناس الأدبية في قَوْلٍ محمول على المُضَاعَفَةِ المَجَازية، حين يأخذ مَحْفَلُ الأنا الشعريِّ صورةَ الشَّاعر الذي يَسْتَجْلِي ذَاتَه في مرايا الانعكاسِ الذَّاتي والغَيْري.
يقذف بنا ديوان [قرطاس] للشاعر عبد اللطيف الوراري (1) في تُخُوم كتابةٍ شعرية محبرة بمداد الوعي الميتاشعري، و هو في الآن ذاته [ هُويةٌ عابرةٌ] لخرائط القول من خِطَابِ الشّعر إلى خطابٍ النَّقْدِ، ومن خطابِ الشِّعْرِ إلى خِطَابِ الفكر، وذلك لأنّ الكتابة الشعرية لديه هي [تَفْكِيرٌ بالشِّعْرِ في أشْياء العالم] وهي [الُوجُود بالشِّعْر] كتأمل واستبطان واستكناه لَتَقَاطُعاتِ ومفارقات الوَاقِع والسيرة والحياة.
وَفْقَ هذا الارتكاز يَتَشَكَّلُ المعنى الشعريُّ لديه، وهو غَيْرُ مُتَحَيَّزٍ لأيِّ مذهبية نقدية في فهم الشعر وكتابته، مخلفا وراء ظَهْرِه [الوعي التمثال] [الوعي المعيار]، إذ تأخذ الكتابة هُويَّةَ الأفق المفتوح على الاحتمال واللانهائي، وحيثُ يَصِير مَدَى القصيدةِ انتهاكاً تهديميا للمعنى المُؤَسَّس والمُكَرَّسِ، واستشرافاً لتجربة الأقاصي حيثُ مَآلُ القصيدة هو تَرْهِينٌ للكلام الشعريِّ في اخْتباراتِ اللاحدوديِّ ومعانقة العتبَاتِ البَدْئيةِ، والدهشةِ الأولى المتحررة من بَلاَدَةِ الإحساس والحواس وَرَتَابَةِ الألفة القاتلة.
هكذا من قصيدة (حتى آخر سطر)
نقرأ:
« الشعراء أمثال هؤلاء وأولئك
سمعت أولهم: « اتسعت الرؤيا »
وآخرهم: « تسعفني الكأس، ولا تسعفني العيارة ».
هم الشعراء في (على شفا ليل):
« منذ الشهود الأول
أفردوا الأجنحة في ليل المعنى ».
وهم ذاتهم الشعراء في (سرقة النار):
« الذي يومض وسط الرَّماد
هو الشعر
الذين وصلوا بأجنحة محروقة
هم سَرَقَةُ النَّارِ ».

من أحمد المجاطي إلى فدوى طوقان والسياب، تنتسج سيرة الشعر من أزمنة الحرائق وضوء بروميثيوس، ومن جراحات الذات الرومانسية وعزلتها في عالمٍ مُفَارقٍ إلى الاغتراب الأيديولوجي واختبار حرقة الأسئلة التي تحاول إعادة كتابة الواقع بالحلم والرؤيا، نقرأ من قصيدة (بريد عاجل إلى بدر شاكر السياب):
« لم أشأ أن أخبره بالرماد الذي وجدته في الطريق
وبالدخان الذي كانت تنفثه الحروب
أخذني من يدي
وصعدنا معاً ماء بويب الذي طفا بأسماكٍ
ميتة وصفحات كتب مجهولةٍ
ثم غبنا في الأزرق ».

هكذا يتشكل طِرْسُ المعنى من تعدد صور انعكاس الأنا الشعريِّ في مرايا الهويات الشعرية التي تَجَدْوَلَتْ في النهر العميقِ للشعر، كل هوية شعرية مَنْذُورَةٍ لفعلِ حُطامٍ بدئي، وإعادة مجرى النهر إلى ينابيعه الأولى، من الأزرق العميق إلى غَيْمَةِ الطَّلِ الشفيف في موسم أَوَّلِ الأمطار.
مثل فراشة حالمةٍ بزهرة الرحيق الإكسيري لمعنى الشعر تحلق بنا أجنحة الشَّاعر في استعادةٍ ذاكراتية عَبْرَ منازل شعرية مسكونةٍ بأرواحية شعراء مثل صلاح فائق ومحمد بنطلحة ونور الدين الزويتني وبودلير ومالارمية ورامبو… وفي كل هذه المنازل تنفتح نوافذ وشرفاتٍ تؤكد أَنَّ الجوهرَ الكينونيَّ للشعر لا يتعين في حِراسَةِ [تَرِكَةِ الأسلاف]، وإنما في عبور [بَرْزَخِ الموت الرَّمزي] حيث الشاعرُ [شَاهِداً وشهيداً]، وحيث كلمة الشاعر [وَعْداً بالآتي] بحسب التعبير الهايدغري في حق هولدرلين، أو [السكن بين جرحين] في منطوق ادموند جابس. نقرأ من قصيدة (الزبد):
« أيها الوعد المتغضن
يا زهر البحيرات الميتة
في القرن الواحد والعشرين
كم قنينة نبيذ أفرع رامبو
حتى يسكر قاربه؟
أي نوع من السماد الذي بذره بودلير
لتنبت أزهار الشر؟
وأيّ يدٍ هذه التي استعملها مالارمي
في كل ضربة نرد؟
هل صحيح أن ميشونيك
صُلب بالإيقاع
حين كانت الأرض
تسيل بالدم والغناء ».

هكذا يَسْتَقْرئ الشاعر في طِرْسِ ذاكرة المَحْوِ وتجاوز وتقاطع العلامات، وتماهي وتفارق الكينونات الشعرية مفهوم الكتابة الشعرية بما هي أَثَرٌ شعري كبير [grand œuvre poetique] لأسماء ونداءات ومباصم هويات تتغدى من التعدد والاختلاف والدمغة العميقة الأثر لسيرورة التجاوز، نستشهد على هذا المعنى من قصيدة (الاعتراف ما قبل الأخير) :
« أنا مجرد لص
سطوت على تركه أجمل شعراء الأرض
الذي أنفقوا ثمرا طويلا
كي يسلموا على شجرة الحياة
ويقولوا للعصافير والزهور والذكريات التي تتفتح مع الشمس:
صباح الخير أيها العالم ».

وعلى نفس الصوغ، وفي قصيدة جميلة بعنوان (ذلك البعيد صوتي) يشرح الشاعر جسد اللغة ليولد منها ذلك الضوء الهارب لفيزياء الارتباك، وتلك الرعشة الألخيميائية التي تزلزل نبض الجامد والمتكلس والسطوح المكتظة باللغات الميتة، والعبارات المتحفية المصابة بتصلب شرايين المعنى:
« لا أحب الزوائد والمساحيق والبتور على
وجه الصفحة
وليس هناك أقبح من سحب براقة
على نهر ميت
والحشو الذي بلا معنى لا أحبه
والمعنى نفسه
أكره فيه القارئ الوحيد
الذي يقيس أرض المفاجآت بالآحاد
ويقول: « هذا لي .. وهذا لك ».

في هذا السفر الغجري، النومادي، المترحل في بوصلة الأبدية اللامدركة يترك الشاعر الحلم مفتوحاً على مفارقات الوجود مثل زهرة عباد شمس بجوار مقبرة، يفعل ذلك بمنتهى القسوة الشعرية، ومن غور تخوم شعريات النفي التي تمتنع عن التحنيط ولغة المتاريس:
« شكرا جزيلا لك
أيها الشعر
فقد شغلتنا عنا
الشعر
في نهاية المطاف
قد حصل بالخطأ
للشعر ما أعطى
وللشعر ما أخذ!
ما أقساك أيها الشعر
لم تأخذك رأفة باللغة! ».

كأن الشعر، حين لا يفتأ يُشيدُ الجسور بخطْوِ يذكرنا بتلك الشذرة الضّاربة الترميز لرونيه شار وهو يُخَلِّدُ الشِّعريَ في [العابر]:
« حين نُسافر إلى قَلْبِ البَرْقِ
نكون في مطلقِ الأبدية ».
الشعريُّ، كانحطافٍ بَرْقِيٍّ، كلمح، ومضٍ، كَرَفْرَفَةِ بحجم الأفق، ينبني الشِّعْرُ على لغة تجسيرية على مشارف المحو والنسيان، من داخل هذه الرؤية الإستطيقية، يُشيِّدُ ديوان (قرطاس) علاماته النّصية وذاكرته الرمزية في الجزء الثالث من الديوان المعنون فرعيّاً (يصقلون ظلال الكلمات).
هو فصل يبدأه بإعلان الكراهية [ضد قصيدة النثر]، لكن حذار من لعبة التوهيم ومشارط الجراحة النظرية للقراءات الأقنومية: إنه لا يدين قصيدة النثر في ذاتها، ولا أحد من حيث المبدأ يملك هذا الحق، ولكنه يدين [اغتراب الهوية الشعرية] من خلال انتسابات زائفة تنهض على دعاوى الخصومات العشائرية وتأليه الطَّوَاطِمِ الشعرية، وفهم ضيقِ لمفهوم (الإيقاع) وضيق الرؤى في تحديد مساحات الوعي بين [الشّعريّ والنَّثريِّ]:
« كي تكتب العمودي
يلزمك عمل البنائين في يوم مطيرٍ
كي تكتب التفعيلي
تحتاج إلى أذن خطية لقياس
ارتدادات الجبهة
كي تكتب قصيدة مدورة
انس نفسك في صهريج بلا تنفس
كي تكتب قصيدة النثر
من المهم أن تعرف الكريات على حبل الوريد
كي تكتب الومضة
تسدل عليك الستار في الهواء الطلق
كي تكتب الشذرة
أضمم إليك يدك بقوة
كي تكتب الهايكو
تنظر إلى المرتفعات من عين طائر
كي تكتب الشعر الخالص
تخلص من عقدة نقاء النوع ».

إنّها ليست وصفات جاهزة، ولا قياسات شاقولية، وإنما هي اجتراحات لكبد المجاز، وشطح أسطرلابي لقياس المسافات اللامدركة بين الضوء والظِّل، وتَخمينات تَزْرَعُ الشُّبْهَةَ في جَسَدِ اليقين المثقل ببطلان شهود الزّور.
هكذا يخيط الشاعر بالمجاز رَتْقَ المعنى في جسد الغيمة، ويزرع بذرةً الاحتمال في أرض المتخيل، وينصب للمعنى فخاخاً في الأراضي التي تحمل إشارة [جادة الصواب].
هو ذا سؤال الكتابة الشعرية، يصير العمود الفقري لهذه التجربة الإبداعية المتماهية بـ[السيرة الشعرية] المحمولة على تلاقحات الشِّعريِ والفكري، حيث الأنا الشعريّ تارة حلوليّاً، وتارة ترانسدتاليا يقرأ ذاته في مرايا العبور عبر ازمنة الشعر المتعددة من داخل منظور إستطيقي تخلى عن الدلالة الأحادية والمعيارية لوصف الشعر، مُؤْثراً بدل ذلك مبدأ التعدد ورهان الاختلاف.
ليس الأنا الشعري في كل هذا سوى [نَصِّ الأبدية] الذي يُسْكِنُ القصيدة في الجوهر الخالص لمختلف الأصوات والنداءات والآثار العابرة لأرخبيل المعنى، الشعر المتوحد بكل رمزيات العناصر الكونية ككتابة شبيهة بوردة الرياح، هناك حيث تزهر الجهات بأغاني المهود.

*نُشر بالملحق الثقافي لجريدة (العلم)، عدد الخميس 5 يونيو 2025.

هوامش :
1 – عبد اللطيف الوراري، قرطاس: سيرة شعرية، دار كنعان، دمشق، ط.1، 2022.
2 – مارتن هايدغر، أصل العمل الفني، ترجمة أبو العيد دودو ، دار الجمل، 2003.
3 – ادموند جابس، كتاب الأسئلة، المكتبة الفرنسية العامة 1984.

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *