عن دار طباق للنشر والتوزيع برام الله/ فلسطين، صدر كتاب (رسائل فدوى طوقان)؛ وهي الرسائل التي تبادلتها الشاعرة فدوى طوقان مع الأديبة الأردنية ثريا حداد لفترة طويلة تستغرق ثلاثة عقود، من أمكنة مختلفة: نابلس، عمان، لندن. وقد بثّت الشاعرة في رسائلها جوانب ومواقف وخطرات ذاتية لا تخلو من أصالة وبوح واعتراف، ليس لأنها تخاطب أديبة ومثقفة من بنات جنسها تقدر مكانتها وتكنّ لها الاحترام، بل كذلك وجدت فيها المرآة التي تعكس أخاديد نفسها وجراحها الشخصية، كما وجدت أنّها شربت من نفس الكأس المرّة التي شربت منها، إلى حد أن يتماهى الأنا والآخر ويتوهجان عبر رهان الغيرية.

      في واحدة من رسائلها، مؤرخة ب 19/2/1982، تعترف فدوى لثريا بقولها: « لقد انتهيت إلى يقين أكَّد لي أنك خير صديقة يمكن أن يصطفيها قلبي، وأنني أستطيع أن أفضي إليك دون حرج بكلّ ما بداخلي، فأتحدث بارتياح وبلا تحفُّظ، وأبرز أمامك نقاط ضعفي ونواحي نقصي، وأنا متأكدة من أنّك على استعداد لتقبل وتفهّم أخطائي الإنسانية. لقد أعطيتني الثقة بأنّك صديقة حقيقية تعتبر نفسها أنّها هي أنا، وأنّها لا يمكن في يوم من الأيام أن تأخذ ضدي ما أفضي به إليها ».

    وتجد الإشارة إلى أن هذه الرسائل التي أعدها للنشر سمير حداد وراجعها وقدّم لها عبد اللطيف الوراري، تبلغ نحو ثلاثين رسالة متفاوتة الحجم على امتداد مائة وست وخمسين (156) صفحة من القطع المتوسط، وتمتد زمنيًّا بين أعوام 1977 تاريخ أول رسالة شخصية من فدوى، و1996 سنة وفاة ثريا. كما وُضعت للرسائل عناوين خاصة ومستقلة بحسب موضوعها ومزاجها العام، ونُشرت نسخها الأصلية بخطّ يد الشاعرة في آخر الكتاب.

    ومن المفترض أن تلقى رسائل الشاعرة الفلسطينية الكبيرة اهتمامًا من لدن دارسيها، فهي رسائل تنشر لأول مرة وتلقي أضواء جديدة على حياتها وشعرها.

   وجاء على غلاف الكتاب من التقديم الذي كتبه الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري:

« من رسالة إلى أخرى؛ من مزاج شخصي إلى موقف عام، ومن حادث طارئ إلى معتقد راسخ، ومن حالة ابتهاج إلى وضع حداد، ومن إرادة التحدي والصمود إلى إحساس بالاستكانة وانعدام الحيلة، ومن إيمان بالمطلق إلى شعور بالعدم. أقرأ وأكتب، وكنت أتخيل أنّ فدوى هي التي تملي عليَّ رسائلها فوق رأسي أو أمامي بعينيها السوداوين من وجه صبيح ينطفئ حينًا ويشتعل أحايين كثيرة، وتحفزني على ألا أتراجع؛ فهي كانت صادقة وحرّة حتى بينها وبين نفسها، ولم تكن تلهث وراء مغنم أو شهرة. ومن المعيب أن تظلّ شهادتها على قصة وجودها وعلى محيطها وعصرها « طيّ الكتمان ». إنّها جمعت فيها بين العادي والبسيط كامرأة تحبّ وتشكو وتغضب، وبين الرمزي الأسطوري الذي يرفعها إلى درجة شاعرة فلسطين وأمّها بكل ما في الوصف من أبعاد تتعالى على الزمني والمتعيّن ».

     ويصادف صدور الرسائل الجديدة احتفالات الذكرى المئوية لرحيل الشاعرة فدوى طوقان (1917-2017)، التي شهدتها عدد من المدن والبلدات الفلسطينية تكريمًا لذكراها وتقديرًا لدورها الكبير في تطوير الأدب الفلسطيني والتزامها بقيم النضال والمقاومة في إبداعها الشعري الذي ألهم الأجيال منذ سنوات طويلة.

ثلاثون مكتوباً في الألم والوحشة والفراغ:

فدوى طوقان… رسائل ما بعـد النكسة

خليل صويلح

وردة فلّ ألقى بها معجب نحوها، قلبت حياتها رأساً على عقب! ما أن سمع شقيقها يوسف بالحادثة، حتى منعها من الذهاب إلى المدرسة، فلم تكمل تعليمها، وعاشت عزلة طويلة بين جدران البيت إلى أن تبناها شقيقها الشاعر إبراهيم طوقان، وأخرجها من عزلتها القسرية نحو الشعر. هكذا تعلّمت الأوزان، لتبدأ محاولاتها في الكتابة الرومانسية، متأثرة بتجربتي إيليا أبو ماضي، وعلي محمود طه. اليوم، تعود سيرة فدوى طوقان (1917- 2003) إلى الواجهة مجدّداً، بنشر رسائلها مع صديقتها ثريا حداد تحت عنوان «رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد: أضواء جديدة على حياتها وشعرها» أعدّها سمير حدّاد، وراجعها وقدّم لها عبد اللطيف الوراري (دار طباق ــــ رام الله). في هذه الرسائل، تميط أمّ الشعر الفلسطيني اللثام عن اعترافات ذاتية عميقة، وبوح أصيل عمّا كابدته في حياتها من مصاعب وكدمات روحيّة، مازجةً همومها الذاتية بهموم بلدها المحتل، خصوصاً أن معظم هذه الرسائل مكتوبة بعد هزيمة حزيران 67، وصولاً إلى الانتفاضة الفلسطينية. ثلاثون رسالة في الألم والوحشة والفراغ، وربما اليأس. تقول في إحدى رسائلها «كل ذنبنا نحن الفلسطينيين أننا نرفض الانقراض كالهنود الحمر وأننا نتناسل كثيراً، وهذا مما يجعل أمن إسرائيل مهدّداً بالأطفال الذين لم يولدوا بعد..». هكذا تتحوّل الصديقة إلى مرآة للذات في انكساراتها ووحدتها وهشاشتها، كما تنطوي على شغف بالمكاتبات، وإن أتت من مقلبٍ آخر، بالمقارنة مع رسائلها المتبادلة مع الناقد المصري أنور المعداوي التي كانت رسائل حبّ عن بعد «لم يلتقيا على الإطلاق وإنما اكتفيا بتبادل الرسائل وكتابة الأشعار حول هذا الحبّ» وفقاً لما يقوله رجاء النقّاش، فيما تعترف صاحبة «اعطنا حبّاً» بأنه «كان هناك حب حقيقي، وعبّرت عنه بأكثر من قصيدة». على أن سيرة فدوى طوقان سنجدها في مذكراتها «رحلة جبليّة، رحلة صعبة» أفردت خلالها صفحات من حياتها بجرأة مدهشة في البوح والاعتراف غير عابئة بأعراف المجتمع الذكوري الذي كان محيطاً بها حينذاك. تقول في رسالة متأخرة «حبات العقد تنفرط حبة بعد حبة، موت ثم موت ثم موت، والفعل هذا مستمر لا ينقطع، سلَّمنا به على كره، وقلنا إنه الحقيقة الوحيدة في الوجود، تولد بذرته فينا منذ اللحظة الأولى من ميلادنا، وكلٌّ منا ينتظر دوره، فالمصير مفروض علينا ولا مفر ولا مهرب».

بين حداد وفدوى طوقان.. صفحات مجهولة في الأدب العربي!

أسامة فاروق

أخبار الأدب- القاهرة

 19 – 01 – 2019

»لقد لعبوا دورهم في حياتي ثم غابوا في طوايا الزمن». الجملة السابقة ليست فقط الجملة الافتتاحية لسيرة الشاعرة فدوى طوقان، بل الجملة المفتاحية لقراءة سيرتها وأشعارها، وحتي شخصيتها نفسها.

بشكل ما يلعب كل منا دورا في حياة الآخرين، ولاعبون كثر مروا في حياة فدوى طوقان، بعضهم لعب دورا أساسيا، وآخرون لم يكونوا أكثر من أطياف، لكن من منهم كان الأبقي والأعظم أثرا وتأثيرا؟ كشفت هي بعض الأسماء، لكن رغم جرأتها فلم تقل فدوى طوقان كل شيء في سيرتها التي صنفت كأجرأ السير الذاتية بعد (أيام) طه حسين، وإذا راجعنا الفترة الزمنية التي كتبت فيها والظروف التي سجلت فيها كلماتها، سنجد أنها ربما ستظل محافظة علي هذا التصنيف لسنوات أخري قادمة، رغم أنها هي نفسها قالت في بدايتها إنها لم تفتح خزائنها كلها، لكن جملتها المفتاحية تطل دائما عبر السطور دافعة إلي ملاحظة الأثر تلو الآخر، مشيرة في الوقت نفسه إلي قدرتها علي التخطي والتجاوز، فإذا ما رَجَعْتُ بعدها إلي أشعارها –أثرها الباقي الفريد- ستجد ما يكمل القصة لتلتئم سطور الحكايات كلها.
انتصرت فدوى بشكل كبير علي العقلية العربية المخلصة للتستر والتخفي، وما لم تتمكن من البوح به في سيرتها، سربته عبر سطور أشعارها التي نكتشف يوما بعد يوم رسائلها المبطنة فيها، وما أرادت أن تقوله بشكل صريح، ورغم مرور كل تلك السنوات، فلم تبح الأحجية بكل أسرارها، فهناك الكثير الذي لم يكشف بعد، آخره ما نشره الناقد والشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري في كتابه (رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد).
حينما عرض علي رئيس التحرير طارق الطاهر العمل علي كتاب الوراري الذي التقطه بحسه الصحفي من معرض الكتاب بعمان، لم أتحمس، تصورت متسرعا إنه لن يقدم جديدا بعد كل ما قالته فدوى في سيرتها، وما كتبه آخرون عن حياتها وأشعارها، وفكرت برعونة أن أعتذر لكن غلبني الفضول لتصفح الرسائل، وبعد أن قرأت عرفت كم كنت مخطئا، فالكتاب الصغير يؤكد أن الحكاية المعلنة ناقصة، وأن هناك صفحات لا تزال مجهولة، يعيد اكتشاف تلك المناطق وينير أجزاء جديدة في حياة فدوى طوقان وأشعارها وشخصيتها الفريدة.. هنا نحاول لملمة سطور الحكايات، القديم منها والجديد، لنعيد رسم صورة كاملة، ربما تكون جديدة تماما.
في أوائل سنة 1974 تلقي الكاتب والناقد رجاء النقاش رسالة من الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان تحوي كل رسائل الناقد أنور المعداوي إليها.
كان النقاش قد التقاها في بيروت  سنة 1967 في مؤتمر كتاب آسيا وأفريقيا الذي عقد قبل حرب يونيو بشهرين وطلب منها بجرأة يحسد عليها رسائلها المتبادلة مع أنور المعداوي، وكان يعلم بأمر الرسائل من المعداوي نفسه، أستاذه وصديقه، الذي أخبره أيضا أنه يحمل في قلبه لفدوى عاطفة عميقة تفوق عاطفة الصداقة.
كان كنزا حقيقيا، استطاع النقاش من خلاله أن يكتب مسيرة واحدة من أنبل وأشهر قصص الحب في الوسط الثقافي العربي، فمن خلال الرسائل التي نشرها في كتابه (بين المعداوي وفدوى طوقان صفحات مجهولة في الأدب العربي المعاصر) أكد النقاش أن ما بين فدوى والمعداوي » حب عاطفي» وليس حبا قائما علي الإعجاب والصداقة فقط، وأن هذا الحب كان من النوع »المأساوي» لأنه كان حبا »عذريا»، فالناقد المصري والشاعرة الفلسطينية  لم يلتقيا في أي يوم من الأيام، وكانت القصة كلها قائمة علي الرسائل.
تعرض النقاش لهجوم عنيف عقب صدور هذا الكتاب، ما دفعه لكتابة مقدمة وافية في الطبعات التالية دافع فيها عن فكرته في تقديم هذه الرسائل، قال إن هذا النوع من النقد لم يقنعه بعكس ما يراه، ولم يغير موقفه أبدا »فالخوض في الحياة الشخصية بغير هدف، أو بدافع الثرثرة والفضول، هو الخطأ الذي ينبغي أن نحاسب عليه من يقع فيه، أما الخوض في الحياة الشخصية لتفسير مأساة كاتب، أو لفهم المجتمع والعصر الذي يعيش فيه من أجل الوصول إلي حل للمشكلات المعقدة القاسية التي نعاني منها، فذلك كله أمر مطلوب وضروري، مهما أثار غضب البعض ممن يفضلون التستر والتظاهر والتصنع علي المواجهة والصدق والبحث الأمين عن حل وعلاج».
أهم ما توصل إليه النقاش هو تأثير ذلك الحب علي ما أنتجه كل منهما، سواء ما قدمته فدوى من قصائد، أو ما قدمه المعداوي من كتابات نقدية، بل حتي الرسائل نفسها التي وجد فيها النقاش أثرا أدبيا وإنسانيا بالغ القيمة والأهمية، ويكفي أن المعداوي كان سببا في ظهور أول دواوين فدوى طوقان »وحدي مع الأيام» وتولي نشره بنفسه في مصر، وكان هو نفسه سببا في كتابة الكثير من قصائد فدوى علي مدار عدة أعوام، »مجموعة من أروع قصائد الحب في أدبنا الحديث» كما يقول النقاش، ورغم ذلك فالكتاب في مجمله دراسة عميقة في شخصية أنور المعداوي وما قدمه من كتابات نقدية وفكرية، ومأساة حياته بشكل عام، وهو في نظر صاحبه أيضا دراسة للحياة الأدبية والاجتماعية في الخمسينات والستينات في مصر والمجتمع العربي كله، محاولة للكشف عن محنة جيل بأكمله في تلك الفترة الحساسة من تاريخنا العربي »الاقتصار في النظر إليه علي أنه قصه حب بين ناقد وشاعرة هو أمر يخرج تماما عن الهدف الواسع البعيد الذي وضعته أمامي وأنا أقوم بإعداد هذا الكتاب».
في 2017 تلقي الشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري هدية مماثلة، وكنزا لا يقل أهمية عما تلقاه رجاء النقاش بل لعله يفوقه ندرة، فالرسائل التي تلقاها النقاش كانت من طرف واحد هو أنور المعداوي، في حين اختفت الرسائل الخاصة بفدوى في ظروف سنشرحها في السطور التالية، لكن ما حصل عليه الوراري كان رسائل كتبتها فدوى نفسها بخط يدها، وهي كنز ليس فقط لندرة الوثائق الشخصية المتعلقة بفدوى شديدة الحرص والتكتم، ولكن أيضا لما فيها من إشارات لمعلومات وحكايات تنير أجزاء جديدة من حياة فدوى طوقان وإبداعها.
أما كيف حصل الوراري علي الرسائل، فالحكاية كما يرويها تقول: اتصل بي الإعلامي المقيم فيأمريكا ا لأستاذ الفاضل سمير حداد، وكان قد اطلع للتو علي مقالتي عن الرسائل التي تبادلها جبران خليل جبران ومي زيادة، ولمس اهتمامي بالأدب الشخصي والسيرذاتي، فحدثني عن أخته الأديبة ثريا حداد التي اهتمت بأدب مي زيادة ودرّسته لطلبتها عندما كانت قيد حياتها أستاذة اللغة العربية لغير الناطقين بها في جامعة جونز هوبكنز، وسجل معي حلقة في برنامجه الإذاعي »شموع عربية» (الثلاثاء 18 أكتوبر 2016) الذي يذاع من ديترويت في أمر هذه الرسائل وحقيقتها وقيمتها الفنية. ثم مر وقت قبل أن يخبرني بأن أخته الأديبة كانت لها مراسلات بينها وبين شعراء وأدباء مشاهير، بمن فيهم ميخائيل نعيمة الذي اشتغلت علي شعره في أطروحتها المعنونة ب »الأبعاد الإنسانية في أدب نعيمة»، وفدوى طوقان، ونزار قباني، وعيسي الناعوري، وروكس بن زائدة العزيزي وغيرهم. هذه المراسلات تعود إلي فترة رئاستها لرابطة راهبات الوردية في عمان منذ ستينيات القرن العشرين، حيث كانت تستضيفهم وترتب لهم أماسي شعرية ومحاضرات في الأدب والفكر، وقد استمرت إلي حين رحيلها عام 1996 بعد معاناة مع المرض.
ألح الوراري في طلب الرسائل لنشرها، يحركه المنطق نفسه الذي حرك النقاش من قبل، وبالفعل حصل عليها وكانت البداية مع رسائل فدوى طوقان التي نشرها في كتاب بعنوان رسائل فدوى طوقان مع ثريا حداد أضواء جديدة علي حياتها وشعرها»، وصدر عن دار طباق- رام الله. غير أن الوراري وإن حركه منطق النقاش في الحصول علي الرسائل لم يسر علي الدرب نفسه في تحليلها وتفسير ما جاء فيها، اكتفي فقط بمقدمة قصيرة، وبمنح الرسائل ال30 عناوين دالة وموحية بفحوي ما يريد قوله، وما يود الإشارة إليه، ربما كانت تلك شروط الإفراج عنها وربما كانت فكرته هو نفسه حيث يقول: »لا أريد أن أبسط أمام القارئ الكريم موضوع كل رسالة علي حدة، ولا أن أكشف له عن أسرارها وحجبها، بل أتركه يكتشفها بنفسه ويتأثر بها كما حصل معي. وأي أثر ومتعة –بعد ذلك- أن تعاود اكتشاف شخصية شعرية مثل فدوى طوقان».

المكشوف في رسائل فدوى طوقان إلى ثُريا حداد
سمير حاج

القدس العربي
16 غشت/آب 2021

تتراءى صفحات معتمة، من وراء الباب المغلق، في حياة الشاعرة المُطَوقة فدوى طَوْقان، شاعرة فلسطين في القرن العشرين، التي كرسَت شعرها للمأساة الفلسطينية، بالذات تصوير معاناة شعبها اليومية، في ظل الاحتلال الإسرائيلي، للضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967 فكتبت شعرا ثوريا يدعو إلى مقاومة الاحتلال واقتلاعه. قال عنها وزير الحربية الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان في أكتوبر/تشرين الأول عام 1968 لرئيس بلدية نابلس حمدي كنعان، كما كتبت في سيرتها «تكفي قصيدة من قصائدها لخلق عشرة من رجال المُقاومة» ( الرحلة الأصعب ـ الشروق)، من ناحية أخرى، عانت الشاعرة من الاغتراب داخل عائلتها، كما عانت من القمع الذكوري في مجتمعها النابلسي.

فدوى طوقان وموشيه ديان وحاييم نحمان بياليك

بعد حرب يونيو/حزيران 1967 وتحديدا في عام 1968 كما تسرد فدوى طوقان في القسم الثاني من سيرتها المُعنوَنة «الرحلة الأصعب»، المكرسة لمعاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال، طلب موشيه ديان، من رئيس بلدية نابلس التقاء الشاعرة، وقد ذهبت الشاعرة بمعية رئيس بلدية نابلس وفي سيارته وبمرافقة عمها قدري طوقان، لالتقائه في بيته في تل أبيب، وقد اشترك في الجلسة اثنان من مستشاري ديان وهما، ديفيد فرحي وديفيد زخاريا، وزوجة ديان وابنته الكاتبة والصحافية ياعل. استمرت الجلسة ساعتَيْن من الثالثة إلى الخامسة عصْرا، بادرها ديان قائلًا وقبل أن يجلس: «أنت تكرهيننا، لقد قرأت بعض قصائدك مترجمة إلى العبرية. إنها تفيض بالكلمات العاصفة ومشاعر الكراهية». أجابته فدوى طوقان: «لستُ أكرهكم كيهود، لكني أكرهكم كمُحْتلين». كان يقصد ديان بقصيدة فدوى طوقان «آهات أمام شباك التصاريح» التي كتبتها بعد احتلال نابلس عام 1967 على إثر قيام جندي إسرائيلي بشتمها وإهانتها ودفعها بقوة، بعد أن انتظرت سبع ساعات أمام شباك التصاريح في جسر اللنبي. في هذه القصيدة اتهمت فدوى طوقان، بأنها حرّضت على قتل الجنود الإسرائيليين وأكل أكبادهم، بسبب استحضارها، قصة هند بنت عتبة القرشية التي عاشت قبل الإسلام وبعده، والتي نُسِبَ إليها أنها أكلت كبد حمزة بن عبد المطلب، تصور فدوى في قصيدتها تصرف الجندي (عرب، فوضى، كلاب/ ارجعوا، لا تقربوا الحاجز، عودوا يا كلاب)/ ويد تصفق شباك التصاريح/ تسد الدرب في وجه الزحام/ آهٍ، إنسانيتي تنزف، قلبي/ يقطر المر، دمي سُم ونار/ عرب، فوضى، كلاب /…./ صخرةٌ قلبي وكبريتٌ وفوارةُ نار، ألف «هندٍ» تحت
جلدي جوع حقدي/ فاغرٌ فاه، سوى أكبادهم لا/ يُشبعُ الجوعَ الذي استوطَنَ جلدي/ آه يا حقدي الرهيبَ المُستثارْ/ قتلوا الحب بأعماقي أحالوا/ في عروقي الدمَ غسلينا وقار».
لقد ردت فدوى طوقان على هذه التهمة بأنها استوحت قصيدتها من قصيدة الشاعر العبري حاييم نحمان بياليك «أناشيد باركوخبا» التي يقول فيها على لسان باركوخبا، مُخاطبا القائد الروماني، الذي كان يحاصر اليهود في قلعة مسعدة، بأنه بغضب وحشي سيشرب دمهم وبلا رحمة.

رسائل فدوى طوقان مع الأديبة ثريا حداد والحبيب المُشتهى

في عام 2018 قام الإعلامي سمير حداد، أخ الأديبة الأردنية ثريا حداد التي رحلت عام 1996، والتي عملت أستاذة اللغة العربية لغير الناطقين بها في جامعة جونز هوبكنز، بنشر 30 رسالة، كانت قد كتبتها الشاعرة فدوى طوقان لأخته ثريا حداد بين الأعوام 1977 و 1996 (طباق للنشر والتوزيع – رام الله )، وقد حرر هذه الرسائل وقدّم لها الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري. هذه الرسائل التي لا تحمل ردود ثريا حداد، هي مرايا عاكسة لمزاج فدوى طوقان، ولأسرارها الدفينة وتجربتها العاطفية غير المُثمرة والحزينة، فهي أحيانا غاضبة وأخرى عاتبة. كما تُفضي فدوى طوقان، في رسائلها عنْ غُربتها في الوطن، وعن مُعاناتها في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وعن الحصار الثقافي والقطيعة مع العالم العربي، ومنع وصول الكتب إليها، وعن عيشها في جو العائلة وتعلقها بأختها المريضة، وعن إقامتها في لندن بين عامَي 1962- 1963. تتحدث فدوى في الرسالة الأولى المؤرخة في 2/9/1977 والمُعَنْوَنَة من قبل المُحَرر بـ»نفثات حُب جريح»، عن زيارة ثُريا حداد لها عام 1961 بصفتها رئيسة رابطة راهبات الوردية في عمان، التي تعرفَت إلى فدوى بعد أن استضافتها في أمسية شعرية في عمان. لكن مُعظم الرسالة بَوْحٌ عن تجربة حب فاشل بينها وبين أخ ثريا المذيع في قناة الجزيرة الإعلامي سامي حداد، الذي توفي في يناير/كانون الثاني 2021. فتقول فيها «هل حدثك سامي عن الصمت الجليدي الذي اكتنف صداقتنا الحميمة؟ إن الصمت لغة الغرباء، فهل قال لك إننا أصبحنا غُرباء؟ في قلبي أشياء، وفي نفسي أشياء وفي عقلي أشياء، ولكنني أصمت وأنكفئ على نفسي، لأن ما أريد قَوله لا يُقال إلا في جلسة أكون معك خلالها وجْها لوجه، وليس عبر هذه المُحيطات التي تفصلنا». وتكتب في هذه الرسالة باللغة الإنكليزية أن سامي خذلها Sami has let me down .
وفي رسالة أخرى من تاريخ 8/12/1977 تكتب فدوى «ولن يهون عليّ (سامي) أبدا. وإذا كان لا بد من أن ينتهي كل شيء في هذه الحياة فليس من المحتوم أن يتم ذلك في جو مشحون بالمرارة وسوء الظن. سيظل سامي صديقا حبيبا مهما باعدت بيننا المسافات والحواجز التي تقيمها الكبرياء والمُكابرة». وفي رسالة أخرى بتاريخ 14/6/1980 تبوح فدوى بخلجات قلبها تجاهه «سُعدتُ هذا الصيف بسامي كما لم أسعد من قبل. وعرفته كما لم أعرفه من قبل. سامي الحقيقة، وليس فقط سامي خيالي ورؤياي. إنهُ حقيقةٌ جميلةٌ يُختصر فيه كل الجمال الذي في هذا العالم. كَم هو حبيبٌ إلى قلبي وروحي». وفي الرسائل قصيدة بعنوان «سلامٌ من نسيم التيمز» كتبتها فدوى عام 1980 أثناء وجودها في لندن، جاء فيها: «سلامٌ من نسيم «التيمز» أنْدَى/ وشَوْقٌ يا ثُريا ليس يهْدا/ هُنا فَدْوى، هنا سامي المُفدى/ صَفا لهما اللقاءُ وطابَ وِرْدا». وفي ديوان فدوى طوقان (بيروت، دار العودة 1997) قصيدة بعنوان «إلى الوجه الذي ضاعَ في التيهِ» مُهداة إلى J..، ومن معانيها واضحٌ أن المقصود فيها «جميل» أخ ثريا، وقد ورد فيها: «آه، لا تملأ بطاقتك لي/ بشذى الذكرى وباقات الهوى/ بين قلبي ورفاه الحب صحراءُ/ حبال القيظِ فيها تلتوي/ تلتفُ من حولي أفاعي/ تخنقُ الزهرَ تفح السم فيه/ واللظى/ لا تَقُل لي اذكريني/ لا تَقُل لي/ عتمَت ذاكرةُ الحب وغامَتْ». تتضح من هذه الرسائل مُعاناة فدوى طوقان وعذاباتها المتنوعة واللامتناهية، بسبب الأحداث المأساوية التي مرّت بها، وميلها إلى العزلة والتوحد وعيْشُها بيْن طَوْقَيْنِ، كما يدل اسم عائلتها (طَوْقان)، طَوْق الاحتلال وطَوْق البيت والمجتمع.

لا تعليق

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *